في مشهد عبثي لا يتكرر إلا في الدول التي تخضع للاحتلال، وليس مع مواطنين مصريين لهم كامل حقوق المواطنة، أو هكذا يفترض، جاء القبض على 18 تاجر مواد بناء من محافظة القليوبية، وإحالتهم إلى النيابة لمواجهة اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها، على خلفية قيامهم بإدخال مواد بناء إلى أهالي جزيرة الوراق، التي تتعرض منذ 8 سنوات لمحاولات حكومية مستميتة لإخلاء سكانها قسرًا.
وخلال يومي 18 و19 ديسمبر الماضي، نفذت قوات الأمن الوطني بمحافظة القليوبية حملة مداهمات متزامنة استهدفت منازل ومخازن عدد من تجار مواد البناء في عدة مناطق قريبة من جزيرة الوراق، شملت: باسوس، الفرنواني، أبو المنجا، بهتيم، أبو الغيط، منطي، والمحادثة، وألقت القبض على 18 شخصًا، وهم:
1- محمد كمال محمد مرسال
2- محمد فوزي عباس نجدي
3- حمدي تمام محمد طايع
4- ياسين محمد محمد
5- مغربي عبد الحميد حواش
6- عكاشة علي أحمد عبد العال
7- أشرف محمد شلبي كاسب
8- أحمد محمد عزت أحمد
9- أيمن سيد لطفي سيد أبو العنين
10- أحمد صلاح عفيفي السيد أبو العنين
11- سعيد فارس رمضان سيد
12- عتريس عبد الخالق عتريس محمد
13- محروس كاسب شلبي كاسب
14- خالد إمبابي حسن إمبابي
15- همام محمد همام محمد
16- محمد علي محمد أحمد الروبي
17- منير ربيع علي علي البرماوي
18- رمضان محمود شافعي عبد العزيز
وجاءت الحملة الأمنية الأخيرة في إطار المحاولات الحكومية المتواصلة لإرغام سكان الجزيرة على مغادرة منازلهم وأراضيهم، بعد أن باءت كل محاولات الضغط خلال السنوات الماضية بالفشل، على الرغم من اعتقال العشرات من الأهالي.
صعوبة في إدخال مواد البناء
ومنذ صدور قرار رئيس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري رقم 1969 لسنة 1998 بإدراج جزيرة الوراق ضمن قائمة المحميات الطبيعية يواجه سكان الجزيرة صعوبة في إدخال مواد البناء، وحتى مع إلغاء القرار في يوليو 2017، ظل المنع مستمرًا، بل وشمل حتى الكميات البسيطة اللازمة لإجراء بعض الترميمات في البيوت؛ مثل إصلاح تسريب مياه في الحمام، أو ترميم منزل أو استكمال بناء أو تشطيب حجرة. وامتد المنع ليشمل الأثاث المنزلي.
وتفرض الشرطة حصارًا متواصلاً على الجزيرة، حيث تتواجد أمام مرسى "المعدّية" التي تنقل الركاب من كورنيش شبرا الخيمة إلى الجزيرة، سيارات شرطة وعدد من أفراد الشرطة بزي مدني، ويتكرر المشهد نفسه أمام مراسي المعدّيات المتناثرة حول الجزيرة.
ويعاتي الأهالي من الحصار الأمني منذ أكثر من 8 سنوات، وتحديدًا في أعقاب خطاب قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي في يونيو 2017، الذي أشار فيه إلى جزيرة الورّاق لأول مرة، بقوله: "جزيرة موجودة في وسط النيل، مساحتها أكتر من 1250 فدان—مش هذكر اسمها—وابتدت العشوائيات تبقى جواها والناس تبني وضع يد. لو فيه 50 ألف بيت هيصرفوا فين؟ في النيل اللي إحنا بنشرب فيه؟".
إذ لم تمضِ سوى أسابيع قليلة على الخطاب، حتى فوجئ سكان جزيرة الورّاق في صباح 17 يوليو 2017 باقتحام قوات الأمن للجزيرة، ومطالبتهم بإخلاء منازلهم وأراضيهم، دون سابق إنذار، مما أدى إلى اندلاع مواجهات أسفرت عن مقتل أحد الأهالي.
حملة ممنهجة لحصار سكان الجزيرة
ولم تغادر قوات الأمن حدود الجزيرة منذ ذلك اليوم، بل وبدأت في حملة ممنهجة لحصار سكان الجزيرة في محاولة لكسر إرادتهم، وأوقفت العمل بثلاث معديات (مراكب) نيلية من أصل خمسة كان يستخدمها السكان للدخول إلى الجزيرة والخروج منها، وتم تكثيف الوُجود الأمني على المعديتين المتبقيتين.
ومنع الأمن دخول أية مواد أو معدات للبناء أو ترميم المباني، من أجل الضغط على الأهالي بكل وسيلة ممكنة لإجبارهم على القبول بتعويضات هزيلة، مقابل التخلي عن منازلهم وأراضيهم.
وفي عام 2018، أصدرت حكومة الانقلاب القرار رقم 20 بإنشاء "مجتمع عمراني جديد" على أراضي جزيرة الوراق، ثم بدأت خطوات نزع الملكية بهدوء، وصولًا إلى ما أسمته مشروع "الوراق الجديدة"، الذي يشمل بناء 68 برجًا، وتحويل الجزيرة إلى مدينة استثمارية فاخرة مخصصة للأثرياء.
وقد اعترفت الحكومة في تقارير رسمية، بأنها استولت على أكثر من 993 فدانًا من أصل 1295، أي ما يزيد عن 76 بالمائة من الجزيرة. أما الـ24 بالمائة المتبقية، فهي تخضع للحصار الأمني والترهيب النفسي، في انتظار الإخلاء القسري أو الاستسلام.
تهريب مواد البناء إلى داخل الجزيرة
وعلى الرغم من الحصار الأمني، إلا أن أهالي الجزيرة لجأوا إلى تهريب مواد البناء إلى داخل الجزيرة، والاستمرار في إصلاح المنازل، بل وبناء المزيد، في الوقت الذي ألقت فيه حكومة الانقلاب القبض على عشرات الأهالي بتهم التجمهر والانضمام إلى جماعات إرهابية لإجبار أهاليهم على التنازل عن منازلهم.
وتعد جزيرة الوراق أكبر جزر نهر النيل -وعددها 255- من حيث المساحة البالغة 1500 فدان. وتتمتع بأرض زراعية عالية الجودة تصل إلى 1200 فدان،
ويعتمد دخل سكانها البالغ عددهم 120 ألف مواطن على زراعة الخضراوات والصيد بشكل أساسي. وتمتلك نسبة كبيرة من الأهالي عقودًا مسجلة تثبت ملكيتهم لمساكنهم وأراضيهم، وأكد ذلك حكم قضائي عام 2001.

