تعتزم وزارة البترول تقليص مبيعات أسطوانات البوتاجاز بنحو 8% خلال 2026 مقابل التوسع في توصيل الغاز الطبيعي للمنازل، في خطوة تكشف عن استراتيجية منهجية لإجبار المواطنين على التخلي عن البوتاجاز بعد رفع أسعاره 166% خلال عام واحد فقط. الحكومة تبرر القرار بـ"تقليص الواردات وخفض الدعم"، لكن الحقيقة أن الغاز الطبيعي نفسه مستورد بفاتورة دولارية، وتكلفة تحويل المنزل للغاز تتجاوز 15 ألف جنيه، مبلغ خيالي بالنسبة لملايين الأسر الفقيرة التي لا تستطيع حتى شراء أسطوانة بوتاجاز بـ225 جنيهًا.

 

المشهد واضح: النظام يرفع أسعار البوتاجاز بشكل جنوني ليجعله غير محتمل، ثم يعلن "تقليص المبيعات" ليجبر المواطنين على دفع آلاف الجنيهات لتوصيل الغاز، في عملية نهب منظمة تحت ذريعة "الإصلاح الاقتصادي". الفقراء يُعاقبون مرتين: مرة بارتفاع البوتاجاز الجنوني، ومرة بإجبارهم على التحول لبديل أغلى بكثير لا يستطيعون تحمل تكلفته الأولية.

 

خدعة تقليل الواردات: كلاهما مستورد بالدولار

 

الحجة الرسمية لتقليص البوتاجاز هي "تقليص الواردات من الخارج"، باعتبار أن 65% من احتياجات السوق مستوردة. لكن هذه حجة كاذبة تمامًا، لأن الغاز الطبيعي الذي تريد الحكومة إجبار المواطنين على التحول إليه هو أيضًا مستورد بفاتورة دولارية ضخمة. مصر تحولت من مُصدّر للغاز إلى مستورد صافٍ، والإنتاج المحلي لا يكفي الاستهلاك المتزايد.

 

الخبير البترولي مدحت يوسف أكد أن "تحريك أسعار البوتاجاز يتسبب في التخلي عنه والاتجاه للغاز، وكلاهما مستورد بفاتورة دولارية". إذن الحكومة لا توفر شيئًا على مستوى الواردات، بل تنقل العبء من سلعة لأخرى، لكن بتكلفة أعلى بكثير على المواطن. الهدف الحقيقي ليس تقليل الواردات، بل تقليل الدعم الموجه للبوتاجاز (150-200 جنيه للأسطوانة) على حساب إفقار المواطنين أكثر.

 

زعم المصدر الحكومي أن "غاز المنازل يتم تدبيره من الإنتاج المحلي بأسعار مناسبة" كذبة فاضحة في ظل أزمة الغاز المستمرة وانقطاعاته المتكررة عن المصانع والمنازل. الواقع أن مصر تستورد كميات ضخمة من الغاز المسال لسد العجز، والإنتاج المحلي في تراجع مستمر بسبب نضوب الحقول وعدم الاستثمار الكافي في التنقيب.

 

15 ألف جنيه للتحول: إجبار الفقراء على دفع ما لا يملكون

 

تكلفة توصيل الغاز الطبيعي للوحدة السكنية تتراوح بين 15 إلى 20 ألف جنيه، وهو مبلغ فلكي بالنسبة لملايين الأسر المصرية التي يبلغ متوسط دخلها الشهري بضعة آلاف جنيه فقط. الحكومة تروج لـ"نظام التقسيط" كحل سحري، لكن الأقساط نفسها عبء إضافي على أسر مثقلة بالفعل بارتفاع أسعار كل شيء.

 

زيادة طلبات التحويل من 190-200 ألف إلى 245 ألف وحدة في الربع الأخير من 2025 ليست دليل "نجاح" السياسة كما يزعمون، بل دليل يأس. المواطنون يضطرون للاقتراض والاستدانة للتحول للغاز هربًا من البوتاجاز الذي أصبح سعره خياليًا بعد ارتفاعه 166% خلال عام. إنه ليس خيارًا حرًا، بل إجبارًا تحت التهديد بجعل البوتاجاز غير متاح أو بأسعار فلكية.

 

الأسوأ أن ملايين الأسر في القرى والمناطق النائية غير مشمولة أصلاً بشبكة الغاز القومية، وستبقى رهينة البوتاجاز المرتفع. هؤلاء سيدفعون ثمن سياسة حكومية فاشلة دون أي بديل حقيقي، وسيواجهون "تقليص المبيعات" بنقص مستمر في الأسطوانات وارتفاع أكبر في الأسعار.

 

فشل الإنتاج المحلي وتحميل الفقراء الثمن

 

المشكلة الحقيقية التي يتجاهلها النظام هي فشله الذريع في زيادة الإنتاج المحلي من البوتاجاز والغاز. مصافي تصنيع الوقود المحلية تنتج فقط 35-40% من احتياجات السوق من البوتاجاز، والباقي مستورد. لماذا لا تستثمر الحكومة في زيادة طاقة المصافي؟ لماذا لا تطور حقول الغاز المحلية بدلاً من الاعتماد على الاستيراد؟

 

لأن الاستثمار في الإنتاج يتطلب رؤية طويلة المدى وموارد ضخمة، والنظام يفضل الحلول قصيرة المدى التي تنقل العبء فورًا للمواطنين. رفع الأسعار وتقليص الدعم وإجبار الناس على التحول لبديل أغلى، كلها "حلول" سهلة لا تعالج المشكلة الجذرية بل تفاقمها.

 

الحديث عن "إعادة ترتيب أولويات الإنفاق" و"إجراءات الإصلاح المستهدفة" مجرد شعارات جوفاء. الإصلاح الحقيقي يكون بزيادة الإنتاج وخفض الاستيراد فعليًا، لا بنقل المواطنين من سلعة مستوردة لأخرى بتكلفة أعلى. لكن هذا يتطلب حكومة كفؤة، والكفاءة آخر ما يمكن أن يوصف به نظام السيسي.

 

تقليص مبيعات البوتاجاز بعد رفع أسعاره 166% خلال عام هو نموذج واضح لسياسة النهب المنظم. النظام يرفع السعر ليجعل السلعة غير محتملة، ثم يعلن "تقليص المبيعات" ليجبر المواطنين على التحول لبديل أغلى، تحت ذريعة كاذبة عن تقليل الواردات بينما البديل نفسه مستورد. الضحية الوحيدة هي الأسر الفقيرة التي تُسحق بين ارتفاع البوتاجاز وتكلفة التحول للغاز، بينما يستمر النظام في تحميلها ثمن فشله الاقتصادي الذريع.