شهدت محافظة المنوفية خلال عام 2025 واحدًا من أكثر الأعوام قسوة في تاريخها الحديث، بعدما توالت عليها حوادث دامية وجرائم أسرية وكوارث إنسانية، حوّلت القرى الهادئة إلى بؤر للحزن الجماعي، وفرضت نفسها بقوة على الرأي العام، ليس فقط بسبب عدد الضحايا، بل لما كشفته من أزمات أعمق في البنية الاجتماعية والأمنية والخدمية.

 

عام كامل حمل عنوانًا واحدًا: الفقد. من طرق تحصد أرواح العاملات، إلى بيوت غرقت بالمياه، وأسر أُبيدت على أيدي أقرب الناس، تحولت المنوفية إلى خريطة مفتوحة للجراح، وأصبح السؤال الأبرز: كيف ولماذا؟

 

فاجعة كفر السنابسة.. كفن جماعي لـ20 فتاة في صباح واحد

 

في أواخر يونيو 2025، استفاقت قرية كفر السنابسة التابعة لمركز منوف على مأساة غير مسبوقة، بعدما لقيت 20 فتاة من بناتها، إلى جانب سائق السيارة، مصرعهم في حادث تصادم مروع على الطريق الإقليمي أثناء توجههم إلى أعمالهم اليومية.

 

المشهد كان أقرب إلى جنازة جماعية للقرية بأكملها؛ صرخات الأمهات، وانهيار الآباء، وبيوت أُغلقت حدادًا، بينما تحوّل الطريق الإقليمي إلى متهم رئيسي في الجريمة. الحادث أعاد فتح ملف الإهمال المروري، وسوء البنية التحتية، وتكرار الحوادث الدامية على هذا الطريق، وهو ما دفع الجهات المعنية لاحقًا إلى غلق أجزاء واسعة منه لأعمال صيانة لا تزال مستمرة حتى الآن.

 

لكن رغم الإجراءات، بقي السؤال معلقًا في أذهان الأهالي: هل جاءت هذه التحركات بعد فوات الأوان؟

 

طرح النهر.. حين داهمت المياه البيوت بلا إنذار

 

لم تكن المآسي في المنوفية قاصرة على الحوادث المرورية، فخلال صيف 2025، عاشت قرى «طرح النهر» بمركز أشمون أيامًا قاسية بعد ارتفاع مفاجئ في منسوب المياه، ما أدى إلى غرق عشرات المنازل والأراضي الزراعية.

 

الأهالي وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع المياه، يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أثاث ومحاصيل، وسط غياب إمكانيات كافية للتعامل مع الكارثة. المشاهد الإنسانية كانت مؤلمة: أسر تنام في العراء، ومزارعون فقدوا مصدر رزقهم الوحيد.

 

وسرعان ما تدخلت جمعيات خيرية ومنظمات إغاثية لتقديم مساعدات غذائية ومادية، إلا أن الواقعة كشفت هشاشة منظومة التعامل مع الكوارث الطبيعية، وغياب حلول جذرية تمنع تكرار المأساة.

 

جريمة زنارة بتلا.. زوج يذبح أسرته وينتظر الشرطة

 

في التاسع من نوفمبر 2025، دخلت قرية زنارة التابعة لمركز تلا دائرة الصدمة، بعد جريمة هزت الضمير الإنساني، عندما أقدم شاب، فور عودته من السعودية، على قتل زوجته وطفله الرضيع داخل منزل الزوجية.

 

الجريمة لم تتوقف عند وحشيتها، بل زادها رعبًا أن الجاني ترك الزوجة والرضيع غارقين في دمائهما على السرير، ثم انتظر وصول الشرطة دون محاولة للهرب. الواقعة انتشرت كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، وأثارت حالة ذهول وغضب واسعَين.

 

وأعادت الجريمة فتح نقاش مجتمعي حاد حول العنف الأسري، والضغوط النفسية، وغياب الدعم النفسي والاجتماعي، خاصة للعائدين من الغربة، في ظل تزايد مؤشرات الانهيار داخل بعض الأسر.

 

جريمة ميت برة.. زواج انتهى بالقتل بعد 4 أشهر فقط

 

ومع مطلع ديسمبر 2025، لم تكد المنوفية تلتقط أنفاسها، حتى استيقظت قرية ميت برة بمركز قويسنا على جريمة جديدة، بعد العثور على سيدة مقتولة داخل منزل الزوجية، بعد أربعة أشهر فقط من زواجها.

 

التحقيقات كشفت عن تعرض الضحية لاعتداء عنيف وضرب مبرح على يد زوجها، أفضى إلى وفاتها. وتم حبس الزوج على ذمة القضية، قبل إحالته للمحاكمة الجنائية المقررة في 18 يناير المقبل.

 

الجريمة خلّفت صدمة عميقة داخل القرية، وطرحت تساؤلات مؤلمة حول تصاعد العنف ضد النساء، وفشل آليات الحماية، وغياب التدخل المبكر في النزاعات الأسرية.

 

مأساة طريق أشمون.. 5 ضحايا في لحظة واحدة

 

وفي أواخر ديسمبر 2025، عاد شبح الطرق ليحصد الأرواح مجددًا، بعدما وقع حادث تصادم مروع على الطريق الصحراوي القاهرة–الإسكندرية، أسفل كوبري الراست، لسيارة انطلقت من مركز أشمون.

 

الحادث وقع إثر اصطدام سيارة نقل ثقيل بميكروباص يقل عمالة شابة، ما أسفر عن مصرع 5 أشخاص وإصابة آخرين، ودخول ثلاث قرى بالمحافظة في حداد جماعي جديد، مع تكرار نفس السيناريو: طريق، تصادم، نعوش، وأسئلة بلا إجابة.

 

2025.. عام كشف الأزمات لا مجرد حوادث

 

ما شهدته المنوفية خلال 2025 لم يكن مجرد سلسلة وقائع منفصلة، بل صورة مكثفة لأزمات متراكمة: طرق غير آمنة، غياب رقابة فعالة، ضغوط اجتماعية ونفسية متزايدة، وتراجع منظومة الحماية المجتمعية.

 

عام كامل دوّنته المحافظة بمداد الحزن، وترك خلفه جراحًا مفتوحة في قلوب الأهالي، ورسائل تحذير واضحة لا تحتمل التأجيل، بأن إنقاذ الأرواح لا يكون بردود الفعل، بل بالوقاية، والمحاسبة، وإعادة بناء منظومة تحمي الإنسان قبل أن يتحول إلى رقم جديد في سجل المآسي.