في تطور لافت مساء الاثنين، أسدلت "كتائب القسام"، الجناح العسكري لحركة حماس، الستار على شخصية ظلت طي الكتمان لعقدين من الزمن، بإعلانها مقتل ناطقها العسكري ونشر اسمه الحقيقي "حذيفة سمير عبد الله الكحلوت" وصورته. ورغم أن اسمه وصورته كانا مجهولين طوال تلك السنوات، إلا أن صوته الحاد وكوفيته الحمراء وعصبته الخضراء كانت كفيلة بأن تؤرق إسرائيل في كل إطلالة له، ما جعله هدفاً رئيساً على قوائم الاغتيال.

 

وقد أشادت الكتائب بمسيرته، مؤكدة أنه قاد منظومة إعلامها "بكل اقتدار"، ونقل للعالم "مجريات طوفان الأقصى في أبهى حللها وبطولات مجاهدي غزة". ويأتي هذا الإعلان بعدما تحول "أبو عبيدة" خلال 20 عاماً إلى أيقونة ورمز ارتبط بمواجهة الجيش الإسرائيلي، حيث حاز توصيفات مثل "صوت غزة" و"صوت المقاومة"، وكان الإعلان عن خطاباته يثير ترقباً واسعاً لما تحمله من معلومات مصيرية حول الهدنة أو الأسرى.

 

نشأة في المخيم ومسار أكاديمي وميداني

 

ولد حذيفة الكحلوت "أبو عبيدة" في العام 1984 بمخيم جباليا شمالي قطاع غزة، ونشأ في أسرة فلسطينية محافظة، وهو أب لعدد من الأبناء. تلقى تعليمه الأولي في مدارس وكالة "الأونروا"، قبل أن يتابع دراسته العليا في الجامعة الإسلامية بغزة، حيث حصل على درجة الماجستير في تفسير القرآن الكريم.

 

التحق مبكراً بصفوف "حماس" وكتائبها العسكرية مع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، حيث تدرج في المهام الميدانية والإعلامية. وبرز إعلامياً لأول مرة في أكتوبر 2004 خلال معركة "أيام الغضب" التي استمرت 17 يوماً، حيث عقد أول مؤتمر صحفي للكتائب معلناً عن سير المواجهات شمالي القطاع، ليصبح منذ ذلك التاريخ الواجهة الإعلامية للقسام.

 

"مهندس الحرب النفسية" والملاحقة الدولية

 

بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2005، تولى رسمياً منصب الناطق الإعلامي، وبصفته رئيس دائرة الإعلام العسكري، أشرف على أقسام التوثيق والتصوير، والعمليات النفسية، وإدارة المنصات، وإصدار البيانات. ورغم مكانته، عُرف بظهوره النادر وتجنبه الاحتكاك المباشر تفادياً للاستهداف الأمني.

 

وقد تحول خلال عقدين إلى "صوت القسام" المقترن بالتهديدات، مما جعله محوراً في حرب الرواية. وفي عام 2024، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه بدعوى "دعم الإرهاب"، وهو ما اعتبره الفلسطينيون ملاحقة سياسية. وخلال عامين من "حرب الإبادة"، كان لقبه الأكثر تداولاً في إسرائيل وفلسطين والعالم، حيث ارتبط ظهوره دائماً بالكشف عن إنجازات عسكرية، مثل عرض نماذج أسلحة محلية وبقايا آليات مدمرة.

 

محطات مفصلية.. من شاليط إلى "الطوفان"

 

ارتبط اسم أبو عبيدة بمحطات عسكرية فارقة؛ ففي عام 2006 أعلن عن أسر الجندي جلعاد شاليط، وفي عام 2014 أعلن عن أسر الجندي شاؤول أرون خلال معركة حي التفاح. أما في جولة الحرب الأخيرة، فقد ظهر في عدة مناسبات، كان آخرها ظهوره المصور في 18 يوليو 2025 معلناً جاهزية الفصائل لـ"معركة استنزاف طويلة".

 

وفي 29 أغسطس 2025، نشر آخر تدوينة له عبر "تلغرام"، متوعداً إسرائيل بدفع ثمن خطة احتلال غزة من "دماء جنودها"، ومؤكداً أن الأسرى الإسرائيليين يواجهون ظروف المخاطرة نفسها في مناطق القتال. وقد دأب خلال أشهر الحرب على الحديث عن "عمليات نوعية" وتوعد القوات المتوغلة بمزيد من الخسائر، مستخدماً لغة عربية طلقة ولثاماً يغطي ملامحه.

 

الجدل حول الاغتيال وسياق نهاية الحرب

 

سبق الإعلان الرسمي للقسام حالة من الجدل، إذ ادعت إسرائيل في 31 أغسطس الماضي اغتياله، وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس إنه "تم القضاء عليه"، كما صرح بنيامين نتنياهو أن الجيش و"الشاباك" استهدفاه في عملية مشتركة، بينما التزمت حماس الصمت حينها دون تأكيد.

 

ويأتي نعي "أبو عبيدة" بعد انتهاء "حرب الإبادة" التي استمرت عامين منذ 8 أكتوبر 2023، وخلفت أكثر من 71 ألف شهيد فلسطيني وما يفوق 171 ألف جريح، وتكلفة إعمار قدرت بنحو 70 مليار دولار. وقد انتهت الحرب باتفاق وقف إطلاق نار دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي، بوساطة مصر وقطر وتركيا ورعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.