بحلقة جديدة من مسلسل إهانة الكوادر الطبية واستباحة المستشفيات الحكومية تحت سمع وبصر "سلطة الأمر الواقع"، استيقظ الوسط الطبي على واقعة اعتداء وحشية جديدة طالت 3 أطباء بمستشفى الهرم، مما فجر موجة غضب عارمة أعادت تسليط الضوء على "قانون المسؤولية الطبية" المعيب وسياسات الحكومة التي تترك الأطباء فريسة للبطش دون رادع قانوني حقيقي.

 

ولم تكن كلمات الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة والمناضلة النقابية البارزة، مجرد تعليق عابر، بل جاءت كوثيقة إدانة للنظام الذي يشرعن الفوضى عبر قوانين هشة، واصفة عدم تشديد عقوبة الاعتداء على المنشآت الطبية والعاملين بها بـ"العيب البشع" الذي لا مبرر له، في إشارة واضحة إلى غياب الإرادة السياسية لحماية الجيش الأبيض الذي يتساقط أفراده بين مطرقة الاعتداءات وسندان الإهمال الحكومي.

 

تشريع للفوضى.. "محضر قصاد محضر" سياسة ممنهجة لإذلال الأطباء

 

انتقدت الدكتورة منى مينا بحدة ما وصفته بـ"الوضع الكارثي" الذي وصل إليه حال الأطباء في مصر، مؤكدة أن الأزمة لا تكمن فقط في وقوع الاعتداءات، بل في البيئة القانونية التي توفر "غطاءً آمناً" للمعتدين. وأشارت مينا إلى أن قانون المسؤولية الطبية بشكله الحالي يعاني من عوار قانوني فادح، حيث يغفل تماماً تشديد العقوبات على من ينتهكون حرمة المستشفيات، مما يجعل الطبيب المصري هو الحلقة الأضعف في المنظومة.

 

وأضافت مينا في تصريحاتها النارية: "ما زلنا في وضع عقوبة هزيلة مع صعوبة الإثبات"، كاشفة عن "الكارثة الأبشع" التي تمارسها أجهزة الداخلية في أقسام الشرطة، وهي سياسة "تحرير محضر قصاد محضر". هذه الحيلة الشيطانية تحول الطبيب المجني عليه -الذي سالت دماؤه أثناء تأدية عمله- إلى متهم في نظر القانون، ليجد نفسه مجبراً في النهاية على قبول التصالح والتنازل عن حقه لتجنب الحبس، وهو ما وصفته مينا بأنه وضع يفتقد لأي منطق للعدالة ويفتح الباب على مصراعيه لتكرار الاعتداء "تاني وتالت ورابع".

 

هذا التواطؤ غير المعلن بين ضعف التشريع وتعسف الإجراءات الشرطية يرسل رسالة واضحة من النظام للأطباء: "أنتم بلا حماية"، مما يفسر تصاعد وتيرة العنف ضد الطواقم الطبية التي أصبحت تعمل في بيئة أشبه بساحات القتال وليست ساحات للاستشفاء.

 

واقعة "الهرم".. تفاصيل الجريمة واستمرار نزيف الكرامة

 

بالعودة إلى تفاصيل الواقعة المؤسفة التي شهدها مستشفى الهرم، والتي تأتي كدليل عملي على تحذيرات منى مينا، فقد كشفت التحريات عن اقتحام 4 أشخاص للمستشفى والاعتداء الوحشي على 3 أطباء أثناء تأدية عملهم. وبدلاً من أن تكون المستشفى ملاذاً آمناً، تحولت أروقتها إلى ساحة عراك، والسبب المعتاد هو "خلاف على توقيع الكشف الطبي"، وهي الذريعة التي تتكرر يومياً بسبب نقص الإمكانيات وسوء إدارة المنظومة الصحية التي تتحمل الحكومة مسؤوليتها بالكامل.

 

ورغم إلقاء مباحث الجيزة القبض على المتهمين وتحرير محضر بالواقعة، إلا أن المجتمع الطبي يدرك جيداً السيناريو المتوقع: ضغوط للتنازل، أو تكييف القضية كـ"مشاجرة عادية" وليست "اعتداء على موظف عام أثناء تأدية عمله"، مما يفرغ القانون من مضمونه الردعي. هذه الواقعة ليست استثناءً، بل هي القاعدة في ظل نظام يفضل إنفاق المليارات على المشاريع الدعائية والقصور الرئاسية، بينما يترك المستشفيات الحكومية بلا أمن حقيقي، وبلا تجهيزات تحمي كرامة المريض أو الطبيب.

 

إن تكرار هذه الحوادث في أقسام الطوارئ والاستقبال يعكس فشلاً ذريعاً لوزارة الصحة والداخلية في تأمين المنشآت الحيوية، حيث يُترك الأطباء الشباب في مواجهة مباشرة مع غضب الجمهور الناتج أساساً عن تردي الخدمات، ليدفع الطبيب ثمن فشل الحكومة من سلامته الجسدية والنفسية.

 

سجل أسود من الاعتداءات.. وموجة هجرة هي الأكبر في التاريخ

 

لا يمكن فصل واقعة مستشفى الهرم وتصريحات منى مينا عن السياق العام المأساوي الذي يعيشه أطباء مصر في السنوات الأخيرة. فقد شهدت البلاد سلسلة من الحوادث المروعة، بدءاً من واقعة "أطباء المطرية" الشهيرة التي تم فيها الاعتداء على الأطباء من قبل أمناء شرطة، مروراً بحوادث الاعتداء في مستشفيات السويس والإسكندرية والمنوفية، وصولاً إلى الاعتداء الأخير في الهرم.

 

في كل مرة، كانت الحكومة تكتفي ببيانات الشجب والاستنكار "الباردة"، دون اتخاذ إجراء تشريعي حازم يصنف الاعتداء على الطبيب كجناية لا يجوز فيها التصالح، كما هو معمول به في الدول التي تحترم عقولها وكفاءاتها.

 

هذا المناخ العدائي، المترافق مع تدني الأجور وسوء بيئة العمل، أدى إلى نتيجة حتمية ومفزعة: أكبر موجة هجرة للأطباء في تاريخ مصر الحديث. الآلاف من الكفاءات الطبية يفرون سنوياً بجلودهم للعمل في الخارج، ليس بحثاً عن المال فحسب، بل بحثاً عن "الكرامة والأمان" المفقودين في وطنهم. وبينما يدعي النظام العمل على تطوير المنظومة الصحية عبر مبادرات شكلية، فإنه يفرغ مصر من عقلها الطبي عبر سياسات "التطفيش" الممنهج، وترك الأطباء نهباً للبلطجة والعنف المجتمعي الذي تغذيه حالة الاحتقان العام.

 

إن صرخة الدكتورة منى مينا اليوم هي جرس إنذار أخير؛ فاستمرار التعامل مع الأطباء بهذه الخفة والاستهتار، ورفض سن قوانين رادعة، لن يؤدي إلا إلى انهيار تام لما تبقى من المنظومة الصحية، وسيدفع المواطن البسيط الثمن الأكبر حينما يذهب للمستشفى فلا يجد طبيباً يعالجه، لأن الطبيب إما هاجر، أو يرقد في العناية المركزة ضحية لاعتداء غاشم لم يجد من يصده.