على مدار اثني عشر عاماً، شهدت مصر توسعاً غير مسبوق في بناء السجون، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التضخم الهائل في البنية العقابية.

 

فمنذ استيلاء عبد الفتاح السيسي على الحكم عام 2013، ارتفع عدد السجون إلى نحو 88 سجناً رئيسياً، بينها 49 سجنًا جديدًا جرى تشييدها خلال هذه الفترة، في أكبر عملية توسع عقابي يشهدها البلد في تاريخه الحديث.

 

ورغم أن السلطات تبرّر هذا التوسع بالحاجة إلى “تطوير البنية التحتية للسجون”، تكشف تقارير حقوقية وشهادات من داخل المنظومة العقابية أن الأمر يتجاوز الوظيفة العقابية التقليدية، ليصل إلى ما يشبه تحويل السجون إلى قطاع اقتصادي ضخم يعمل بمنطق الربح، وتستفيد منه مؤسسات أمنية واقتصادية متشابكة.

 

قطاع بملايين الدولارات: السجون كمشروع اقتصادي

 

تشير تقديرات حقوقية إلى أن الأرباح السنوية لمنظومة السجون تصل إلى نحو 60 مليون دولار من مصادر متعددة، لتصبح أشبه بقطاع تجاري قائم بذاته، يعتمد في ربحه على زيادة أعداد السجناء، تماماً كما تعتمد الفنادق على عدد نزلائها.

 

وتكشف هذه التقديرات أن السجون لم تعد مجرد منشآت احتجاز، بل أصبحت مراكز استثمارية تتحكم فيها وزارة الداخلية والجهات المرتبطة بها، من خلال عقود إنشائية وتشغيلية ضخمة، وشركات مقاولات وتجهيزات أمنية مرتبطة بشبكات نفوذ داخل الدولة.

 

شبكة مصالح: من البناء إلى التشغيل

 

  • مشاريع بناء بمليارات الجنيهات: التوسع السريع في إنشاء السجون، لا سيما ذات الطبيعة “التكنولوجية الحديثة”، فتح الباب أمام عقود ضخمة لشركات مقاولات مرتبطة بمسؤولين أمنيين أو برجال أعمال مقرّبين من السلطة.

    وتشمل هذه العقود أعمال البناء والتجهيزات الأمنية والأنظمة الإلكترونية والإمدادات اللوجستية، في ظل غياب رقابة مالية وتشريعية حقيقية، ما جعل من قطاع السجون أحد أكثر القطاعات غموضاً وربحية في آن واحد.

     
  • عقود توريد مغلقة: كما تُدار عمليات التموين والوجبات والمعدات الطبية والملابس وقطع الغيار داخل السجون عبر عقود توريد مغلقة بين جهات أمنية وشركات خاصة متصلة بها، مما يسمح بإعادة تدوير الأموال داخل المنظومة الأمنية نفسها، دون شفافية أو مساءلة.

     
  • استغلال السجناء وعائلاتهم… مصدر ربح ثابت: بعيداً عن الموازنات الرسمية، تُعد الأسر واحدة من أكبر ضحايا اقتصاد السجون، حيث تُفرض عليهم رسوم باهظة مقابل أبسط الحقوق الإنسانية لأبنائهم المحتجزين.

     
  • أسعار مضاعفة داخل “الكانتين”: تُباع المواد الغذائية والمستلزمات داخل السجون بأسعار تضاعف قيمتها الحقيقية عدة مرات، بينما يُمنع في الأغلب إدخال احتياجات السجناء من الخارج، ما يجعل العائلات مضطرة لدفع مبالغ تفوق قدراتها.

     
  • رشاوى مقابل خدمات أساسية: وفق شهادات أهالي المعتقلين، أصبحت الرشاوى جزءاً من النظام غير الرسمي داخل السجون:
    مقابل زيارة
    مقابل مكالمة
    مقابل علاج
    وأحياناً: مقابل الحصول على حق قضاء الحاجة في مرحاض آدمـي أو مواد النظافة الشخصية.

 

ويؤكد أهالي المعتقلين أنهم يتعرضون لابتزاز متواصل وسوء معاملة، إضافة إلى التفتيش المهين خلال الزيارات، وهو ما يعزّز مناخ القمع والاستغلال.

 

العمل القسري: ورش إنتاجية بأيدي السجناء

 

يُعد العمل الإجباري أحد أهم مصادر الربح غير المعلنة، حيث تستغل وزارة الداخلية آلاف السجناء في ورش إنتاجية داخل السجون وخارجها، تشمل:

 

  • صناعة الأثاث
  • إنتاج الملابس
  • الزراعة
  • الصناعات الخفيفة ومواد التنظيف

 

وتفيد شهادات سجناء سياسيين سابقين بتعرضهم لضغوط قاسية وإكراه، تصل أحياناً إلى التعذيب، لإجبارهم على العمل في مشاريع تُدر أرباحاً ضخمة لوزارة الداخلية وشركائها الاقتصاديين.

 

غياب الرقابة… وتحوّل السجون إلى “دولة داخل الدولة”

 

تُدار مصلحة السجون اليوم ككيان مستقل فعلياً، خارج الرقابة الحقيقية من البرلمان أو الأجهزة الرقابية.

 

فالقطاع الصحي داخل السجون، على سبيل المثال، تابع للداخلية وليس لوزارة الصحة، ما يمنع أي متابعة مهنية أو محاسبة، ويترك السجناء تحت رحمة منظومة مغلقة تماماً.

 

ويؤكد حقوقيون أن هذا الوضع خلق منظومة اقتصادية متكاملة داخل السجون، تمثل “اقتصاد ظل” قائماً على التربح من السجناء، وتعيد إنتاج نفسها بعيداً عن المحاسبة.