أربعة أسباب يمكن أن تغرق بسببها الأسواق في "بحر الركود" العميق، وتمثلت في قرار البنك المركزي برفع سعر الفائدة بنسبة 2%، ومعدلات التضخم المرتفعة، وتراجع الجنيه، وهروب الأموال الساخنة من مصر، والتي قدرت رسميًا بنحو 20 مليار دولار خرجت في الربع الأول من العام الجاري.

وجاء القرار مواكبًا لتوقعات أغلب المؤسسات المالية الدولية، التي رصدت اتجاه البنك المركزي إلى مواجهة الضغط على الدولار، بزيادة الفائدة على الجنيه، لمنع "الدولرة" واستمرار تحكمها في المعروض من العملة الأمريكية بالأسواق عبر البنوك وشركات الصرافة المرتبطة بها، في ضوء التراجع الكبير في موارد البلاد من العملة الصعبة، وعدم قدرة حكومة الانقلاب على الحصول على قروض قبيل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي وفق برنامج اقتصادي جديد.

تفاقم الركود

وحسب مراقبين، فإن قرار رفع الفائدة سيؤدي إلى تفاقم الركود في الأسواق كما سيؤثر سلبًا على العديد من القطاعات الاقتصادية، وأبرزها الصناعة.

وقال البنك المركزي في بيان، أول من أمس، إن لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي المصري قررت في اجتماعها رفع سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسة للبنك المركزي بواقع 200 نقطة أساس ليصل إلى 11.25%، 12.25% و11.75 % على الترتيب، كما تم رفع سعر الائتمان والخصم بواقع 200 نقطة أساس ليصل إلى 11.75%.

ارتفاع التضخم وإرهاق الفقراء

أكد وزير المالية السابق، والخبير الاقتصادي، أحمد جلال، تحفّظه على رفع الفائدة لوقف الضغط على الدولار، الذي أصبح نادر الوجود، الأمر الذي يرفع معدلات الدين الداخلي، ويوجه جل مواردها لخدمة الفوائد والقروض.

وأوضح أن 54% من مدخلات الموازنة العامة للدين العام، وهو أمر مقلق جدًا. وقال إن زيادة الفائدة ترفع من معدلات التضخم الذي تتسع فجوته، وتظهر في زيادة الفروق بين الطبقات، إذ تجهد الفقراء، وتدفع بالطبقة الوسطى إلى أسفل، وفقًا لـ"العربي الجديد".

وقال إن السياسة المالية غير المنضبطة التي تتبعها الحكومة يجب أن تتوقف عن اللجوء إلى زيادة سعر الفائدة، لا سيما أن هذه اللعبة السهلة التي يلجأ إليها البنك المركزي لتخفيف الضغط على الدولار لم تفلح من قبل، مرات عدة، فلماذا نكررها ونحن نعلم أن المشكلة لدينا ليست مثل الولايات المتحدة التي استهدفت زيادة الفائدة لكبح الاستهلاك، بينما في مصر، زيادة الفائدة تعني توقف النشاط الصناعي والزراعي، وزيادة الدين المحلي وسقوط المزيد في هوة الفقر.

وبيّن أن الحكومة عليها أن تراجع الموازنة، وتحدد أولويات الشعب، وتحسّن مناخ الاستثمار وتزيل معوقات الإنتاج، وتمنعها من احتكار تسعير السلع والخدمات، التي تحمل الناس أعباء لا علاقة لها بقيمة المنتج، مثل تعيينات الأقارب والتي تتم وفقًا للمحسوبية، والفساد الذي تتسبب فيه الإدارة غير الكفء للموارد. وطالب بأن تتبع الحكومة سياسة نقدية متكاملة، لا تتعامل مع سعر الفائدة بمفردها ولا تعتمد على تغيير سعر الصرف، وإنما على تحقيق التوازن الكلي في إنفاق الموازنة.

وشدد على ضرورة عدم ترك البنك المركزي يتحكم بمفرده في إدارة سعر الفائدة وتصرفات النقد الأجنبي، والتضخم، لأنها أمور أكبر منه ولا يمكن حلها كلها من دون أن تخسر في نقطة منفردة، وعلى المجتمع أن يتقبل هذه الخسارة طالما كانت بإرادة الجميع وتحقق مصالحهم.

الإساءة إلى الصناعة والرضوخ لصندوق النقد

من جانبه، أوضح وزير التضامن والعدالة الاقتصادية السابق والخبير الاقتصادي جودة عبد الخالق أن رفع الفائدة لمنع الضغط على الدولار، بحجة إسهامه في الدفع بزيادة الصادرات، أمر ناتج عن قصور في الرؤية، فلم يحدث خلال نصف قرن مضى أن أدى رفع سعر الدولار إلى تحسن ملموس في الصادرات ولا خفف من الواردات، بل أساء للصناعة والزراعة والعدالة الاجتماعية في الدولة.

وبيّن أن الحكومة بسياساتها الأخيرة تبين أن هناك برنامجًا مسبقًا اتفقت عليه مع صندوق النقد، وتريد تنفيذه، طمعًا في الحصول على المزيد من القروض، من دون أن تحدد كيف سيستفيد منها المجتمع، ومن سيتحمل أعباءها.

وقال إنه في كل مرة تنخفض قيمة الجنيه، ترتفع التكلفة، وتقل الإنتاجية في المجتمع، بما يجعله معتمدًا على مزيد من القروض والإعانات، لحين حدوث كارثة، تكشف أزماته، وتبين للكل كمّ أن اقتصادنا أصبح هشًا وضعيفًا في مواجهة المشكلات الخارجية، بعد أن وضحت صورته أمام الجميع في الداخل.

وأكد ضرورة تشكيل بيت خبرة من الاقتصاديين يتبع رئاسة الجمهورية، بدلًا من مدّعي العلم الذين يعتقدون أن دورهم تبرير سياسات خاطئة.

وكان طارق عامر محافظ البنك المركزي قد صرّح بأن لجنة السياسات النقدية قد راجعت مستهدفات التضخم، بعد تجاوزها النطاق المحدد سلفًا، مؤكدًا استمرار التفاوض مع صندوق النقد الدولي للاستفادة من خبراته الفنية في عمليات الإصلاح. وبرر الأزمة المالية الحالية بتأكيده أنها مستوردة من الخارج، بما يتطلب التعامل مع هذه النوعية من الأزمات بقوة وشجاعة.

وحسب بيانات رسمية، ارتفع المعدل السنوي للتضخم العام إلى 13.1 % في إبريل 2022، من 10.5% في مارس، مسجلًا أعلى معدل له منذ مايو عام 2019.

وأبدى ممثلو الغرف التجارية والصناعية وخبراء ماليون مخاوفهم من أن يؤدي القرار إلى مزيد من التضخم، بما يتجه بالأسواق إلى ركود عظيم يستمر لمدة عام أو عامين على الأقل.

كان البنك المركزي قد رفع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة، أساس وسمح للجنيه بالانخفاض أمام الدولي في اجتماع مفاجئ في مارس الماضي، مستهدفًا كبح التضخم ودعم النشاط الاقتصادي. وبلغ سعر العائد على الإيداع والإقراض لليلة واحدة، 9.25% و10.25%، في حين بلغ سعر العملية الرئيسة، وسعر الخصم والائتمان 9.75% لكل منها. وأصدر بنكا الأهلي ومصر شهادات إيداع شهرية بفائدة بلغت 18%.