محمد زويل
كاتب صحافي مصري
فوز عبد الرحمن السيد ورفاقه في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.. درس في المواطنة وتداول السلطة وأزمة السياسة في عالمنا العربي
لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 مجرد انتصار انتخابي للحزب الديمقراطي، ولا مجرد تقدم لعدد من المرشحين المنتمين إلى الجاليات المسلمة والعربية في الولايات المتحدة؛ بل حملت دلالات سياسية واجتماعية تتجاوز حدود المنافسة الحزبية، وتطرح أسئلة جوهرية حول معنى المواطنة، وطبيعة الدولة، وحدود المشاركة السياسية، وقدرة المجتمعات على استيعاب التنوع الديني والثقافي داخل مؤسسات الحكم.
فوز الدكتور عبد الرحمن محمد السيد، الأمريكي من أصول مصرية، بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يصل إلى عضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، يمثل لحظة تاريخية في مسار الحضور السياسي للمسلمين الأمريكيين.
ولم يكن هذا الفوز حدثًا منفردًا؛ فقد شهدت الانتخابات صعود عدد من المرشحين المسلمين والعرب إلى الكونغرس والمجالس التشريعية في الولايات، فيما احتفظ آخرون بمقاعدهم، ليصل عدد المسلمين الفائزين بعضوية الكونغرس وحده إلى سبعة وفق التقارير الانتخابية المنشورة، فضلًا عن مكاسب أخرى على المستويات المحلية ومستوى الولايات.
إننا أمام مشهد يستحق التأمل، ليس فقط بسبب هوية الفائزين الدينية، وإنما بسبب السياق السياسي الذي جرت فيه الانتخابات، وطبيعة التحديات التي واجهوها، والرسائل التي حملتها صناديق الاقتراع.
المواطنة أقوى من حملات التخويف
خاض عبد الرحمن السيد معركة انتخابية لم تكن خالية من الاستهداف بسبب خلفيته الدينية وهويته الإسلامية. تعرض لحملات سياسية وإعلامية حاولت ربط هويته الدينية بالتطرف والإرهاب، ووصل الأمر إلى توظيف خطاب التخويف من الإسلام في محاولة للتأثير على الناخب الأمريكي.
لكن النتيجة جاءت لتكشف أن قطاعات واسعة من الناخبين لم تجعل الدين معيارًا وحيدًا للحكم على المرشح، وإنما وضعت أمامها قضايا المعيشة والصحة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية وبرنامج المرشح السياسي. وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التجربة: أن الانتماء الديني لا ينبغي أن يكون عائقًا أمام ممارسة الحقوق السياسية، وأن المواطن لا يفقد حقه في التمثيل بسبب عقيدته أو أصوله العرقية.
لقد استطاع السيد أن يخوض المنافسة باسمه وهويته وخلفيته المصرية الإسلامية، دون أن يضطر إلى التنصل من أي منها، وأن يحصل على ثقة أغلبية الناخبين في ولايته. وهذا في حد ذاته تطور مهم في مسار اندماج المسلمين الأمريكيين في الحياة العامة.
من الجالية إلى التأثير في صناعة القرار
التحول الأهم ليس في وصول مسلم إلى مجلس الشيوخ فحسب، وإنما في انتقال الجاليات المسلمة والعربية من موقع الجماعات التي تسعى إلى حماية مصالحها والتعبير عن مظالمها، إلى موقع الفاعل السياسي الذي يشارك في صياغة السياسات والتشريعات.
لقد أدركت قطاعات من هذه الجاليات أن التأثير في القرار لا يتحقق بمجرد الاحتجاج أو إصدار البيانات أو مخاطبة المؤسسات الأمريكية، وإنما يتطلب بناء حضور مستدام داخل الأحزاب، وتكوين شبكات انتخابية، وإعداد قيادات سياسية، والاستثمار في العمل المحلي والنقابي والحقوقي والإعلامي.
واللافت أن هذا الحضور لم يعد مقتصرًا على العرب، بل امتد إلى أمريكيين من أصول أفريقية وآسيوية وصومالية وباكستانية وغيرها. كما أن تنوع الانتماءات الحزبية والسياسية بين المرشحين المسلمين يؤكد أن الهوية الدينية المشتركة لا تعني بالضرورة وحدة الموقف السياسي أو الانتماء الحزبي. إنها تجربة تقول إن قوة الجماعة لا تقاس فقط بعدد أفرادها، وإنما بقدرتها على التنظيم، وبناء التحالفات، وتحويل الحضور الاجتماعي إلى تأثير سياسي ومؤسسي.
الديمقراطية لا تمنح السلطة لمن يحتكر الوطنية
من أبرز المفارقات في هذه الانتخابات أن بعض المرشحين المسلمين واجهوا اتهامات تتعلق بالولاء والانتماء، ومحاولات لتصويرهم باعتبارهم غرباء عن المجتمع الأمريكي، رغم أنهم مواطنون أمريكيون يمارسون حقوقهم الدستورية. ومع ذلك، بقي صندوق الاقتراع هو الفيصل.
وهنا تظهر قيمة المؤسسات الديمقراطية: لا أحد يمتلك حق احتكار تعريف الوطنية، ولا يجوز أن تتحول العقيدة الدينية أو الخلفية العرقية إلى اختبار للولاء السياسي. فالمرشح يُحاسَب على برنامجه ومواقفه وأدائه، والناخب يملك حق الاختيار، والنتائج تُحسم وفق قواعد المنافسة الانتخابية.
وهذا لا يعني أن التجربة الأمريكية خالية من التمييز أو الإسلاموفوبيا أو اختلالات المال والنفوذ السياسي، لكنها تكشف عن وجود مساحات مؤسسية يستطيع المواطنون من خلالها مواجهة هذه الاختلالات والعمل على تغيير موازين التأثير.
المفارقة العربية.. لماذا يتقدم المسلمون في الغرب ويتراجعون في أوطانهم؟
هنا نصل إلى السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلينا في العالم العربي: كيف يستطيع مواطن مسلم من أصول مصرية أن يصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، بينما لا تزال المشاركة السياسية في بعض بلداننا العربية محكومة بقيود تجعل الوصول إلى المؤسسات التشريعية والتنفيذية مرهونًا في حالات كثيرة بمحددات تتجاوز الإرادة الشعبية؟
كيف تستطيع جاليات مهاجرة أن تنتقل من الهامش الاجتماعي إلى مراكز التأثير السياسي، بينما تتراجع في بعض أوطاننا مؤسسات الأحزاب والنقابات والمجالس المنتخبة، وتتقلص المساحات المتاحة أمام المعارضة والمنافسة السياسية؟ كيف يصبح التعدد الديني والثقافي في بعض المجتمعات الغربية جزءًا من التنافس الانتخابي، بينما يتحول الاختلاف السياسي في مجتمعات عربية إلى مصدر للاتهام والتخوين والإقصاء؟
إن المقارنة هنا ليست دعوة إلى تقديس التجربة الأمريكية، ولا إنكارًا لما تعانيه من ازدواجية في المعايير، خصوصًا في سياساتها الخارجية تجاه القضية الفلسطينية والمنطقة العربية، وإنما هي دعوة إلى التمييز بين الممارسة الديمقراطية الداخلية ومواقف الدولة الخارجية. فليس من المنطقي أن ننتقد ازدواجية المعايير الأمريكية في الخارج، ثم نتجاهل ما تتيحه مؤسساتها الداخلية من فرص للمشاركة والمنافسة والمحاسبة.
والأكثر أهمية أن نطرح السؤال على أنفسنا: لماذا لا تتحول مجتمعاتنا، بما تملكه من تاريخ وكفاءات وطاقات بشرية، إلى بيئات تسمح بالتنافس السياسي الحر وتداول المسؤولية؟
إن الأزمة ليست في الإسلام، ولا في طبيعة الشخصية العربية، ولا في نقص الكفاءات السياسية؛ وإنما في طبيعة النظم والمؤسسات والقواعد التي تحكم المجال العام، وفي مدى استعدادها لقبول التعدد والتنافس والمحاسبة.
من حق التمثيل إلى مسؤولية التأثير
ومع ذلك، ينبغي ألا نبالغ في قراءة هذه النتائج. ففوز مرشحين مسلمين لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت خالية من الإسلاموفوبيا، ولا يعني أن هؤلاء المرشحين يمثلون بالضرورة جميع المسلمين، أو أن وصولهم إلى الكونغرس سيؤدي تلقائيًا إلى تغيير السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وفلسطين. فالمؤسسات الأمريكية معقدة، وصناعة القرار تخضع لتوازنات حزبية وتشريعية واقتصادية واستراتيجية، كما أن المسؤول المنتخب يصبح مسؤولًا عن جميع ناخبيه، وليس عن أبناء دينه أو أصوله وحدهم.
لكن وجود هؤلاء داخل المؤسسات يفتح المجال لطرح قضايا كانت تعاني من ضعف التمثيل، ويمنح قطاعات من المجتمع قدرة أكبر على المشاركة في النقاش العام وممارسة التأثير السياسي. والاختبار الحقيقي أمام هذه القيادات هو قدرتها على الانتقال من رمزية الفوز إلى إنجاز تشريعي وسياسي، ومن الدفاع عن حقوق جماعتها إلى الدفاع عن حقوق جميع المواطنين، دون ازدواجية أو انتقائية.
ماذا ينبغي أن نتعلم عربيًا؟
تقدم هذه التجربة خمسة دروس تستحق أن تكون موضع نقاش جاد في عالمنا العربي:
- المواطنة قبل الهوية السياسية: لا يجوز أن تكون العقيدة أو الخلفية الاجتماعية معيارًا للقبول أو الإقصاء من المجال العام.
- بناء المؤسسات قبل صناعة الأفراد: النجاح السياسي المستدام يحتاج إلى أحزاب قوية، وتنظيمات مجتمعية، ومراكز بحث، وشبكات من الكفاءات المؤهلة.
- الانتخابات وسيلة للمحاسبة والتداول: لا تكتسب الانتخابات معناها الحقيقي بمجرد إجرائها، وإنما بوجود منافسة حقيقية وحرية اختيار وإمكانية تغيير من يتولى المسؤولية.
- تحويل الجاليات إلى قوة مدنية منظمة: الحضور الاجتماعي لا يصبح تأثيرًا سياسيًا إلا من خلال التنظيم والعمل المؤسسي والتحالفات.
- قبول الاختلاف باعتباره مصدرًا للقوة: لا يمكن بناء دولة حديثة في ظل اعتبار المعارضة تهديدًا، أو التعامل مع التعدد السياسي باعتباره خطرًا على استقرار الدولة.
- المشكلة ليست أن المسلمين وصلوا إلى الكونغرس.. بل لماذا لم تصل الديمقراطية إلى بعض عواصمنا؟
إن فوز عبد الرحمن السيد ورفاقه ليس انتصارًا للإسلام على الغرب، ولا هزيمة للغرب أمام المسلمين، بل هو تعبير عن قدرة مواطنين على ممارسة حقوقهم السياسية داخل نظام يسمح لهم بالمنافسة والوصول إلى مواقع المسؤولية، رغم ما يواجهونه من تحديات وتمييز.
والدرس الأهم الذي ينبغي أن نتوقف أمامه هو أن المجتمعات لا تتقدم بإقصاء أبنائها، ولا تحمي دولها بإغلاق المجال العام، ولا تصنع الاستقرار بتحويل الاختلاف السياسي إلى معركة وجود. إن الدولة القوية ليست تلك التي تخشى وصول المختلفين إلى السلطة، وإنما التي تملك من قوة مؤسساتها وعدالة قوانينها ما يجعل تداول السلطة أمرًا طبيعيًا لا تهديدًا وجوديًا.
ولعل المفارقة التي تستحق أن نختم بها هي أن شابًا أمريكيًا من أصول مصرية استطاع أن يصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي حاملًا اسمه وهويته، بينما لا تزال أوطان عربية كثيرة تبحث عن الصيغة التي تسمح لأبنائها بالاختلاف والتنافس والمشاركة دون خوف.
فهل نتعلم من تجربة الآخرين أن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على منع خصومها من الوصول إلى السلطة، وإنما بقدرتها على استيعاب الجميع تحت مظلة القانون والمواطنة؟ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن تطرحه نتائج الانتخابات الأمريكية على ضمير السياسة العربيةإن كان ما يزال عندها ضمير؟!!

