تتجه أنظار قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي نحو أملاك هيئة الأوقاف المترامية لدمجها القسري في اقتصاد الدولة، متخذاً من نزاع وقف مصطفى عبدالمنان الذي عطل 421 ألف فدان في 3 محافظات ساحلية مدخلاً لبسط النفوذ ومصادرة الحيازات المستقرة، وسط رفض شعبي واسع لتوظيف حجج تاريخية في انتزاع أراضي الأهالي.
وجاء صدور المنشور رقم 13 لسنة 2026 ليلغي القيود المفروضة بالمنشور رقم 8 بصورة اضطرارية، متراجعاً أمام غضب المواطنين وتصاعد التحركات البرلمانية، ليسلط الضوء على شهية السلطة لاقتناص ثروات الوقف المقدرة بمئات المليارات، بعدما أدى التجميد إلى شلل استثماري واجتماعي خانق امتد شهوراً متصلة بالدلتا.
أطماع السيطرة على مليارات الأوقاف
وتسعى الدوائر الحاكمة لوضع يدها على ثروات الأوقاف بذريعة دعم الاقتصاد المأزوم، حيث عقد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي اجتماعات موسعة مع وزير أوقافه ومسؤولين تنفيذيين لحصر الأصول بدقة، مشدداً على منع التفريط فيها باعتبارها أموالاً تخص خزانة الدولة، في تجاوز صريح للضوابط الشرعية والقانونية المنظمة للوقف الخيري.
وفي سياق ترسيخ الهيمنة الرسمية، أصدرت الرئاسة قراراً في يوليو 2016 بتشكيل لجنة لحصر أموال الهيئة برئاسة إبراهيم محلب، بهدف استغلال مقدراتها المالية لدعم الموازنة العامة، متجاهلة الطبيعة الخاصة لتلك الأموال الموقوفة على مصارف بر محددة، ما أثار مخاوف عميقة بشأن تحويل أعيان الوقف إلى غنائم اقتصادية للسلطة.
ويؤكد وكيل وزارة الأوقاف الأسبق الدكتور جمال عبدالستار، أن أكثر من نصف أراضي البلاد مصنفة كأوقاف تاريخية مستباحة، لافتاً إلى أن دستور 2012 تضمن نصاً يحظر سقوط أموال الوقف بالتقادم لحمايتها، قبل قيام السلطة الحالية بإلغائه، وموضحاً أن الوزارة لا تملك حق مصادرة الوقف أو التبرع به لصالح أجهزة الدولة.
ومن جانبه، يوضح مستشار وزير الأوقاف السابق الشيخ سلامة عبدالقوي، أن ثروات الأوقاف المنهوبة تخضع لسيطرة شبكات نفوذ واسعة تضم قيادات عسكرية وأمنية سابقة تضع يدها على أراضٍ متميزة في الدلتا والقاهرة، مؤكداً بطلان أي إجراءات تستهدف الاستيلاء على ريع تلك الممتلكات لصالح النظام عبر فتاوى وقرارات إدارية باطلة شرعاً.
ويرى أستاذ الإدارة العامة والمحلية الدكتور حمدي عرفة، أن لجوء السلطة التنفيذية للبحث عن سيولة مالية عبر التعدي على أصول الوقف المستقرة يربك المنظومة الإدارية والاقتصادية برمتها، مشيراً إلى أن خلط أموال الوقف بالموارد العامة للدولة يهدر مبدأ الأمان القانوني ويضر بحقوق الحائزين الشرعيين المستقرة منذ عشرات السنين.
أزمة عبد المنان وتجميد الدلتا
وتجلت خطة الاستحواذ بصورة صادمة في قضية وقف الأمير مصطفى عبدالمنان، بعدما استغلت الجهات الرسمية وثيقة تعود لعام 1008 هجرية لتجميد 421 ألف فدان بالدلتا، متجاوزة الملكيات الثابتة للأهالي، ومحاولة تحويل مدن عامرة بأكملها إلى أملاك تابعة للهيئة تمهيداً لفرض إتاوات جديدة أو نزع ملكيتها لصالح مشروعات السلطة.
وانفجرت الأزمة في مايو 2026 باعتراض الأوقاف على بيع 57 وحدة سكنية بدمياط، ليعقبه صدور المنشور رقم 8 القاضي بتجميد التسجيل العقاري في 3 محافظات، ملحقاً شللاً تاماً بنحو 89 ألفاً و831 فداناً بدمياط، و73 ألفاً و965 فداناً بالدقهلية، وأكثر من 256 ألفاً و830 فداناً بكفر الشيخ.
وشمل الحظر الحكومي مناطق حيوية كبرى تمثل شرياناً اقتصادياً واستثمارياً للدولة، كمدينة رأس البر وميناء دمياط ودمياط الجديدة، إلى جانب جمصة وبلطيم والمناطق الساحلية المحيطة ببحيرة البرلس، ما هدد النشاط التجاري والعمراني وأوقع مئات الآلاف من المواطنين تحت طائلة الابتزاز الإداري والتعطيل غير المبرر.
وتفاقمت التداعيات المعيشية الصعبة جراء فرض قيود تعسفية على التوكيلات الرسمية العامة، ما عطل عمليات البيع والشراء اليومية وحرم المواطنين من التصرف في ممتلكاتهم الخاصة، فضلاً عن تجميد استخراج تراخيص البناء وتصاريح التصالح العمراني، دافعاً بالأوضاع الاجتماعية في المحافظات الثلاث نحو حافة الاحتقان الشديد.
ويؤكد أستاذ القانون الدستوري الدكتور رأفت فودة، أن استخدام مذكرات إدارية لتجميد الملكيات المسجلة يمثل عدواناً على الدستور والحجية القانونية للعقود، مشيراً إلى أن حرمان الحائزين من التصرف استناداً لحجة قديمة غير موثقة قضائياً يعد استيلاءً مقنعاً ينتهك قرارات التخصيص الرسمية الصادرة من أجهزة الدولة عبر عقود متتالية.
تراجع اضطراري أمام الغليان الشعبي
وجاءت الأحكام القضائية المتلاحقة لتنسف ادعاءات هيئة الأوقاف، حيث أصدرت محكمة النقض حكماً باتاً في يناير 2021 بالطعن رقم 6572 لسنة 72 قضائية بعدم ثبوت الملكية لغياب أصل الحجة الشرعية، تلتها قرارات المحكمة الإدارية العليا في مارس ويونيو 2025 بتثبيت حقوق المواطنين برأس البر ودمياط الجديدة.
وتصدى نواب البرلمان للمخطط الحكومي بقيادة النائب ضياء الدين داود بتقديم بيانات عاجلة، بمؤازرة 19 نائباً ومشاركة فعالة من النائبين عبد المنعم إمام ومحمد فؤاد، رافضين تحويل الأجهزة التنفيذية إلى أداة لابتزاز المواطنين، ومطالبين بوقف التعدي على حقوق الملكية الخاصة والتصدي لمحاولات جباية الأموال دون سند تشريعي.
وتوجت الضغوط الشعبية والنيابية بمواجهة حاسمة عُرض خلالها تقرير مفصل من 106 صفحات أمام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بمنتدى مصر في 20 أكتوبر 2026، موثقاً حجم الأضرار التنموية والاجتماعية الفادحة الناتجة عن تجميد حركة المعاملات، ومبيناً تهافت المبررات الإدارية التي روجت لها وزارة الأوقاف للسيطرة على الأراضي.
وأجبرت التداعيات المتفاقمة مجلس الوزراء على التراجع السريع، معلناً إصدار المنشور رقم 13 لسنة 2026 في 4 نوفمبر 2026 لإلغاء القيود السابقة، والسماح باستئناف إجراءات التسجيل والتصالح العقاري في المحافظات الثلاث، ما شكل تراجعاً تكتيكياً فرضته صلابة الجبهة الشعبية والنيابية في الدفاع عن ممتلكاتها التاريخية.
ويؤكد نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عمرو هاشم ربيع، أن التراجع التنفيذي يعكس نجاح الضغط النيابي الموحد في كبح جماح القرارات الفوقية، لافتاً إلى أن افتعال أزمة وقف عبدالمنان برهن على خطورة توظيف البيروقراطية لابتزاز المواطنين، ومحذراً من تداعيات زعزعة ثقة المجتمع في استقرار المعاملات الرسمية.
ويشير المتحدث باسم حزب الأصالة حاتم أبو زيد، إلى أن استهداف أصول الأوقاف يندرج ضمن سياسة منهجية لإفقار المجتمع ومصادرة موارده الذاتية، مؤكداً أن تلك الثروات لو وُجهت لمصارفها الشرعية لحلت أزمات معيشية طاحنة، وموضحاً أن السعي للسيطرة على أموال الوقف يعكس محاولات السلطة المتواصلة لنهب مقدرات البلاد.
وتظل أزمة وقف عبدالمنان بمثابة جرس إنذار حقيقي لملايين الملاك، مبرهنة على أن مطامع الاستيلاء على أموال الأوقاف لا تزال قائمة وتتحين الفرص لفرض هيمنتها، ما يفرض استمرار اليقظة المجتمعية وتوحيد الصفوف الشعبية والقانونية، لإجهاض أي محاولات مقبلة تستهدف السطو على الملكيات الخاصة وتقويض حقوق المواطنين التاريخية.

