اجتاحت مظاهرات شبابية واسعة كبرى مدن القارة الأوروبية خلال الساعات الماضية، حيث تجاوزت الاضطرابات حدود الدول النامية لتصل إلى أغنى المجتمعات الغربية، محذرة من تصاعد أزمات المعيشة وتراجع الخدمات العامة الحيوية بشكل غير مسبوق في المنطقة.
وفي هذا السياق، تصدر أبناء جيل زد المشهد العام بمسيرات غاضبة رفعت شعارات تطالب بالعدالة الاجتماعية ومواجهة غلاء السكن، معلنين رفضهم القاطع لسياسات التقشف الحكومية ومشاريع إعادة التجنيد الإلزامي في عدة بلدان ذات اقتصاديات متقدمة.
مواجهات عنيفة تشعل المدن السويسرية
ومن هذا المنطلق، شهدت سويسرا مواجهات حامية تزامنت مع احتفالات ليلة هالوين في نهاية شهر أكتوبر، وتحديداً في شارع لانغشتراسه وساحة هلفيتيا بمدينة زيوريخ، إثر خروج تجمعات عفوية غير مرخصة أربكت الأجهزة الأمنية المحلية بصورة مفاجئة.
وفي غضون ذلك، أقام المحتجون حواجز مشتعلة باستخدام حاويات النفايات والدراجات الكهربائية لإغلاق الطرق، مما دفع قوات الشرطة إلى استخدام خراطيم المياه والرصاص المطاطي والغاز المهيج لتفريق الحشود المتزايدة واستعادة السيطرة الميدانية على الشوارع.
وبناءً على ذلك، أوضحت شرطة زيوريخ تعرض عناصرها لهجمات بالألعاب النارية والزجاجات والحجارة، فضلاً عن إحراق سيارة وتضرر واجهات متاجر ومحطة للنقل العام، قبل أن تعلن فتح تحقيقات موسعة لضبط المتورطين بأعمال التخريب بعد هدوء الأوضاع.
وعلى نحو متصل، سارت مسيرة غير مرخصة في مدينة بازل بمشاركة نحو 150 شاباً، تخللتها عمليات إشعال نيران وتخريب واسع النطاق أدى إلى تعطل خطوط المواصلات العامة وتأثر الحركة المرورية بشكل مباشر في قلب المدينة.
والجدير بالذكر أن سويسرا تصنف في المرتبة 6 بين أغنى دول العالم، وتتصدر الترتيب الدولي في نصيب الفرد البالغ من الثروة بمعدل يبلغ 910000 دولار، ورغم هذه المؤشرات المرتفعة فإن الغضب الشبابي بلغ مستويات غير مسبوقة.
غضب شبابي يجتاح الشارع الألماني
وبالتوازي مع ذلك، شهدت الساحة الألمانية خروج عشرات الآلاف في مظاهرات حاشدة بدعوة من مبادرة شبابية أطلقت على نفسها اسم الجيل زد يتولى زمام الأمور، حيث عمت المسيرات الاحتجاجية أكثر من 30 مدينة ألمانية رئيسية.
وشملت هذه الفعاليات تجمعات كبرى في مدن برلين وفرانكفورت وهامبورغ وميونيخ وكولونيا، حيث تدفق الشباب إلى الساحات رافعين لافتات تنادي بإصلاحات جذرية في النظام التعليمي وتوفير بيئة ملائمة للرعاية النفسية، وسط حضور أمني مشدد لمراقبة الأوضاع.
وانطلاقاً من ذلك، ركزت المطالب الألمانية على تحسين البنية التحتية للمدارس ورفع الإنفاق الحكومي على القطاعات الخدمية العامة وتخفيف وطأة الغلاء، إضافة إلى الإعلان الصريح عن رفض خطط الدولة الهادفة لإعادة تطبيق التجنيد الإجباري مجدداً.
غير أن التطورات السلمية تبدلت مع حلول المساء في عدة مناطق، حيث وقعت اشتباكات عنيفة اضطرت خلالها أجهزة الشرطة لاستخدام رذاذ الفلفل وخراطيم المياه بعد رشق أفراد الطوارئ والأمن بوابل من الحجارة والزجاجات والألعاب النارية المشتعلة.
كما أسفرت المواجهات الميدانية عن تسجيل عمليات نهب لبعض المحال التجارية في فرانكفورت وإضرام النيران بالحواجز في هامبورغ، الأمر الذي عمق المخاوف الرسمية من خروج المسيرات الشبابية عن مسارها الاحتجاجي السلمي المخطط له مسبقاً.
وتأتي هذه الاحتجاجات رغم مكانة ألمانيا كأكبر قوة اقتصادية بأوروبا، حيث يتراوح ناتجها المحلي الإجمالي بين 4.7 و5.5 تريليون دولار مما يجعلها صاحبة المركز 3 عالمياً، بيد أن تلك الأرقام لم تمنع تصاعد الاحتقان الشعبي بين الفئات الشابة.
اشتعال الساحات في فرنسا والمغرب
وبالانتقال إلى المشهد الفرنسي، واصلت حركة جيل زد حراكها لعطلة نهاية الأسبوع 3 على التوالي، مسجلة مشاركة قرابة 320000 متظاهر في أنحاء البلاد وفق تقديرات رسمية، تعبيراً عن الغضب المتنامي ضد تدهور الأوضاع المعيشية المتفاقمة.
وفي العاصمة الفرنسية باريس، احتشد ما يقارب 70000 شخص وسط استنفار أمني مكثف، بعدما نشرت وزارة الداخلية نحو 70000 عنصر من الشرطة والدرك الوطني لتأمين المسيرات والسيطرة على التوترات المتصاعدة في الميادين الحيوية للمدينة.
وتزامنت هذه التحركات مع ما عُرف باحتجاجات سبت الغضب التي أحرقت مناطق فرنسية، متسببة بنهب متاجر وانهيار مبنى تاريخي شُيّد قبل 140 عاماً، مما زاد من حالة التوتر السياسي والاجتماعي المتردية داخل المجتمع الفرنسي.
ويُعزى هذا الغضب الطلابي بالأساس إلى تراجع كفاءة المدارس ونقص الكوادر التعليمية وصعوبة الالتحاق بالجامعات، قبل أن تتسع رقعة المطالبات لتشمل ارتفاع تكاليف الإيجار والمعيشة وتدهور الخدمات العامة، الأمر الذي ألهب الشارع بقوة.
ولم يتوقف هذا الحراك الغاضب عند الحدود الأوروبية، بل امتدت شرارته لتشعل احتجاجات قادها جيل زد في المغرب، حيث أشار مراقبون إلى سعي المؤسسة الملكية للبحث عن تسوية سياسية لتسهيل تولي ولي العهد مقاليد السلطة.
وختاماً لهذه التطورات، تعكس المسيرات المتلاحقة اتساع نقمة الشباب إزاء الضغوط المعيشية المتفاقمة، ورغم اختلاف الدوافع بين دولة وأخرى وغياب قيادة مركزية موحدة، فإن صوت هذا الجيل بات يفرض معادلات جديدة على الحكومات الأوروبية.

