محمد طلبة رضوان

كاتب صحافي

 

انفضَّ السامر، وانتهى منتدى مصر 2026، كما بدأ. رأينا الرئيس، كما نراه دائمًا، يبكي من فرط التأثر بمديح رجاله له، ويضحك وهو يلاعب الأطفال الصغار ويخبرهم بأنهم "أحلى حاجة في الدنيا"، كما رأينا مسؤولين وهم يحدّثوننا عن إنجازاتهم وأرقامهم القياسية التي ما كان لها أن تتحقّق في 30 سنة لولا وجود الرئيس عبد الفتاح السيسي. لكننا لم نر متخصصًّا واحدًا يوجه سؤالًا جادًّا للرئيس أو لأحد من رجاله. على العكس، قرأنا وسمعنا على هامش المنتدى شهادات لمختصين جرت دعوتهم ليفاجأوا بأنهم جاءوا لأداء دور المجاميع الصامتة في أفلام السينما، فالأسئلة والأجوبة متفقٌ عليها، تمامًا مثل الكلمات والمداخلات والأغنيات والصور والتصفيق والبكاء وكل شيء. ولعل أبرز الشهادات وأشجعها شهادة أمجد حامد عمارة، العميد السابق لكلية التجارة بجامعة المنوفية والتي نشرها على صفحته الشخصية على "فيسبوك" (وربنا يستر).

 

ماذا لو أطلقنا نسخة شعبية من منتدى مصر 2026، نسخةً لا يحضرها الرئيس، ولا ينظّمها رجال الرئيس، ولا يصوّرها إعلام الرئيس، والأهم: لا يكون ثمن المشاركة فيها القبض على أصحاب الآراء الحقيقية في حصيلة سنوات حكم الرئيس؟

 

ماذا لو دعوْنا المتخصّصين والأكاديميين، من المتعلمين الذين لا يحبّهم الرئيس، والذين يمثلون خبرات مصر الحقيقية، وتركنا لهم اختيار أسئلتهم؟ يسأل الاقتصاديون مثلًا: أين ذهبت القروض، ومن سيسدّدها؟ ومن اختار المشروعات، ومن حدّد الأولويات، وأين دراسات الجدوى، ومن يحاسب صاحب القرار إذا أخطأ؟ ويسأل المختصّون في الاقتصاد العسكري: كيف ينافس المستثمر مؤسّسات تتمتع بامتيازات لا يتمتّع بها؟ ومن يراجع حساباتها وتعاقداتها؟ وما تأثير ذلك كلّه على اقتصاد البلد وعلى دخل المواطن؟

 

ماذا لو سأل أساتذة السياسة: هل يغادر الرئيس في 2030 فعلًا؟ وهل يحتمل البلد استمرار الرئيس في منصبه حتّى 2030 أصلًا؟ ومن الذي سمح للرئيس بتحديد معايير اختيار خلفه؟ ماذا لو سأل القانونيون: لماذا يُحبس مواطن من دون حكم؟ ولماذا يجري تدويره في قضايا جديدة كلما صدر قرارٌ بإخلاء سبيله؟ ومن يحاسب المسؤول عن سرقة سنوات عمره؟ ومن يجبر خاطر أطفاله المتضرّرين من سجنه؟

 

ماذا لو سأل المختصون في التعليم والصحة: من قرّر أن ينتظر الفصل الدراسي والمستشفى، حتى تُبنى القصور الرئاسية والعاصمة الإدارية وأكبر جامع وأكبر كنيسة وأكبر سارية علم ومونوريل؟ ماذا لو سأل خبراء العمران والآثار: من قرّر هدم الأحياء والبنايات والطوابي والمقابر التاريخية، ومن قرّر قطع الأشجار؟

 

ماذا لو تحدّث علماء النفس والاجتماع عن تكلفة الخوف من الكلام على الأجيال القادمة؟ ماذا لو استبدلنا بفقرات كمال أبو رية وإبراهيم العسال وباسم يوسف، في الفخر بتاريخ مصر والتحذير من مخاطر السوشال ميديا، فقراتٍ نستمع فيها إلى سجناء سابقين وإلى منفيين ومشرّدين و"مطاريد"، كما تصفهم الكتائب الإلكترونية لفخامة الرئيس الزعيم؟ بل ماذا لو استمعنا إلى شهادات سجناء حاليين، متى أمكن إيصالها مع حماية أصحابها، يحدثوننا عن الطعام والدواء والزيارة، وعن أعمارهم وأعمار زوجاتهم وأطفالهم وأوجاع أسرهم وذويهم التي لم تستدعِ دموع الرئيس حين قرّر سجنهم ووجه به وأصرّ عليه وبرّره بأنه "إنقاذ وطني"؟ ماذا لو دعونا ممثلي النظام للرد على أسئلة لم يختاروها، أمام مشاركين لا يملكون معاقبتهم؟

 

لا أتحدّث عن فكرة نظرية، أو مؤتمر تقليدي لما تُسمّى "معارضة الخارج"، فهذا أيضًا غير عملي وغير جاد، أتحدّث عن منتدى شعبي بديل، يُدعى إليه المتخصّصون الحقيقيون، وأصحاب البلد والهم الأصليون، وتُناقش فيه القضايا التي تهم المواطن وتؤثر في حاضره ومستقبله هو، لا حاضر حكامه ومستقبل كراسيهم

.

يمكن البدء في إعداده "أون لاين"، بمراجعة الأوراق والشهادات، وتصميم وسائل لحماية المشاركين وتقليل مخاطر كشف هوياتهم، من دون وعدٍ غير واقعي بأمان مطلق. ويبقى السؤال الذي يستحقّ افتتاح المنتدى به: لماذا يحتاج المصري إلى إخفاء اسمه ووجهه كي يقول رأيه في حصيلة حكم رئيس يدعوه إلى "الحوار"؟!