تندفع الهيئة القومية للأنفاق التابعة لوزارة النقل نحو ضخ استثمارات مليارية طائلة لتوسيع شبكات الجر الكهربائي، متجاهلة الأزمات المعيشية الطاحنة التي تعصف بالمواطنين في ظل تهاوي القوة الشرائية للعملة المحلية.
​
​
وبالتوازي مع هذا الاندفاع، تفرض الخطة الاستثمارية الجديدة للهيئة أعباء مالية غير مسبوقة عبر تخصيص 600 مليار جنيه لاستكمال مشروعات المترو والجر الكهربائي الممتدة بين عامي 2026 و2030 وسط غياب الأولويات التنموية.

 

 

رهان الإنفاق الملياري وتجاهل الأولويات الاقتصادية
​
​
وفي هذا السياق، تستهدف التسريبات الصادرة عن الهيئة مضاعفة أسطول قطارات المترو والقطارات السريعة ليصل إلى 670 قطارا بحلول عام 2030 مقارنة بنحو 230 قطارا تعمل في الوقت الحالي على الخطوط القائمة.
​
​
وعلاوة على ذلك، تسعى الجهات الحكومية المختصة إلى مد أطوال الشبكات الكلية لتبلغ 2889 كيلومترا مقابل 2376 كيلومترا مستغلة حاليا، في خطوة تستنزف سيولة ضخمة لتمويل توسعات إنشائية متسارعة.
​
​
ومن جهة أخرى، تراهن وزارة النقل على رفع الطاقة الاستيعابية لتلك الشبكات إلى 14 مليون راكب يوميا مقارنة بنحو 5 ملايين راكب حاليا، رغم التراجع المستمر في دخول الأسر المصرية بسبب الغلاء.
​
​
وفضلا عن ذلك، تقحم الخطة للمرة الأولى نشاط نقل البضائع ضمن مشروعات الجر الكهربائي بهدف نقل 14 مليون طن بضائع بحلول عام 2030 مقابل انعدام هذا النشاط تماما في الوقت الحالي.
​
​
وبالإضافة إلى ما سبق، تتضمن المشروعات المعلنة تشييد شبكة القطار السريع بطول 2250 كيلومترا موزعة على 4 خطوط رئيسية، بالتزامن مع استكمال خطوط المترو داخل محافظتي القاهرة الكبرى والإسكندرية بتكلفة باهظة.
​
​
وفي المقابل، تشهد الأسواق المصرفية قفزات مرعبة بعدما لامس سعر الدولار 56.30 جنيها في البنوك اليوم، وهو ما يضاعف فاتورة استيراد مكونات ومعدات هذه القطارات من الخارج بالعملة الصعبة.
​
​
ونتيجة لهذا التدهور، تتسع الفجوة بين طموحات نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في تشييد مشروعات النقل العملاقة وبين قدرة الاقتصاد المنهك على توليد عوائد حقيقية تغطي تكاليف التشغيل والصيانة الدورية.
​
​
ومن جانبه، يوضح الخبير الاقتصادي ومستشار البنك الدولي السابق الدكتور محمود وهبة أن التوسع في مشروعات البنية التحتية كثيفة الاستيراد يستنزف الاحتياطي النقدي ويفاقم أزمة التضخم دون تحقيق عائد إنتاجي سريع للمواطنين.
​
​
واستكمالا لهذا الطرح، يؤكد الدكتور محمود وهبة أن توجيه 600 مليار جنيه نحو قطاع النقل وحده يحرم قطاعات حيوية مثل الصناعة والزراعة والتعليم من التمويل اللازم لإنقاذ الاقتصاد من ركوده الحالي.

 

 

تمدد الشبكات الكهربائية وسط تعثر العوائد التشغيلية
​
​
وعلى صعيد متصل، تتوزع المشروعات المرتقبة خلال الأعوام الـ 4 المقبلة لتشمل تنفيذ المرحلة الـ 1 من الخط الـ 4 لمترو الأنفاق المعروف بمترو شارع الهرم والذي يمتد بطول 19 كيلومترا.
​
​
وبالتزامن مع تلك الأعمال، تصر الهيئة على استكمال المرحلتين الـ 3 والـ 4 من مشروع القطار الكهربائي الخفيف بأطوال تصل إلى 35 كيلومترا، رغم ضعف الإقبال الجماهيري على مراحله الأولى المرتفعة التكلفة.
​
​
وإلى جانب ذلك، تشمل الترتيبات الحكومية إنشاء الخط الـ 6 لمترو الأنفاق بطول 38 كيلومترا لربط منطقة الخصوص بالمعادي الجديدة، مما يرتب التزامات مالية إضافية تفوق قدرة الخزانة العامة.
​
​
ومع استمرار هذا التوجه، تتواصل عمليات استكمال مشروع مونوريل غرب النيل بمدينة الـ 6 من أكتوبر بطول 43.8 كيلومترا، وهو المشروع الذي واجه تأخيرات متكررة وتضخما مستمرا في تكلفته الإنشائية منذ انطلاقه.
​
​
وكذلك، تمتد الخطة لتشمل تنفيذ مشروع مترو الإسكندرية بطول 21.7 كيلومترا، في وقت تعاني فيه المحافظة الساحلية من تدهور المرافق الأساسية وشبكات الصرف الصحي التي تحتاج إلى تدخل مالي عاجل.
​
​
ومن زاوية أخرى، يرى أستاذ هندسة الطرق والنقل والم المرور الدكتور أسامة عقيل أن تنفيذ هذه الخطوط دفعة واحدة دون دراسات جدوى اقتصادية معلنة يحولها إلى أصول راكدة تعجز عن سداد تكاليفها.
​
​
وتأسيسا على ذلك، يشير الدكتور أسامة عقيل إلى أن المونوريل والقطار السريع يفتقران إلى الكثافات السكانية الكافية لتحقيق الجدوى المالية، مما سيجبر الحكومة على فرض زيادات متتالية في أسعار التذاكر على الركاب.
​
​
وبناء على هذه المعطيات، تتحول شبكات الجر الكهربائي من وسيلة لتيسير حركة المواطنين إلى أداة للجباية واستنزاف جيوب الطبقة المتوسطة والفقيرة التي لم تعد تتحمل أعباء إضافية في تنقلاتها اليومية.

 

 

دوامة الاقتراض المصرفي وارتهان الأصول للديون الأجنبية
​
​
وفيما يتعلق بفاتورة الإنفاق، بلغ إجمالي المبالغ المنفقة على مشروعات الهيئة بين عامي 2014 و2025 نحو 1.4 تريليون جنيه، في توسع مالي اعتمد بشكل رئيسي على القروض السيادية والتسهيلات الائتمانية.

ورغم ضخامة هذا الرقم، تخطط وزارة النقل لرفع إجمالي الإنفاق ليصل إلى 2 تريليون جنيه بحلول عام 2030، ما يعني رهن موارد الدولة لسنوات طويلة لصالح سداد أقساط وفوائد تلك المشروعات.
​
​
ولتمويل هذه الفجوة، تتأهب الهيئة القومية للأنفاق لاقتراض 29 مليار جنيه من تحالف يضم 9 بنوك محلية لتغطية مستحقات الشركات المنفذة للخط الـ 1 للقطار السريع والمرحلة الـ 3 للقطار الخفيف.
​
​
وبالمثل، تتركز هذه القروض المحلية الموجهة نحو مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة على سحب السيولة المتاحة في القطاع المصرفي، مما يزاحم القطاع الخاص ويحرمه من الحصول على الائتمان اللازم لتشغيل المصانع.
​
​
وإضافة إلى الاقتراض المحلي، حصلت الوزارة على تعهدات من 3 مؤسسات دولية لتقديم تمويلات بقيمة 1.5 مليار يورو، وهو ما يعمق من تبعية القرار الاقتصادي لشروط الدائنين الدوليين ومؤسسات التمويل الخارجية.
​
​
وفي هذا الإطار، تظهر تقديرات الموازنة العامة للعام المالي الجاري استهداف الهيئة اقتراضا محليا وأجنبيا يتجاوز 275 مليار جنيه، لتصبح بذلك الهيئة الاقتصادية الأكثر اقتراضا واستنزافا للمال العام في البلاد.
​
​
وتعليقا على هذا النهج، يوضح الخبير في الاقتصاد السياسي الدكتور عبد الخالق فاروق أن توسع الهيئات الاقتصادية في الاقتراض خارج الموازنة العامة يمثل التفافا على الرقابة البرلمانية وإغراقا متعمدا للأجيال القادمة في الديون.
​
​
واستطرادا في التحليل، يشدد الدكتور عبد الخالق فاروق على أن وصول إنفاق هيئة واحدة إلى 2 تريليون جنيه في ظل انهيار الجنيه أمام الدولار ينذر بأزمة تعثر مالي تضطر السلطة لبيع أصول عامة.
​
​
وفي نهاية المطاف، تظل سياسة التوسع في ديون الجر الكهربائي شاهدا على اختلال الأولويات الاقتصادية، حيث تتسابق القروض المليارية لتمويل قطارات فارهة بينما يغرق الملايين في أزمات التضخم والفقر وتراجع الخدمات الأساسية.