تواصل مصانع الصلب المحلية فرض زيادات سعرية قاسية على المستهلكين، بعد إقرار قفزة جديدة تسليم أرض المصنع تراوحت بين 1200 و1700 جنيه للطن، لتعمق جراح الأسواق المنهكة من التضخم المستمر والغلاء الفاحش.
​
​
وتأتي هذه الموجة السعرية العنيفة للمرة الثانية خلال أسابيع قليلة، مدفوعة بانهيار قيمة الجنيه أمام العملة الأمريكية في البنوك الرسمية، مما يضع قطاع التشييد والبناء أمام شلل تام يهدد استقرار الاقتصاد الوطني.

 

قوائم تسعيرية ملتهبة تضرب الأسواق
​
​
وفي هذا السياق، قفز سعر طن حديد عز ليصل إلى 42050 جنيهاً مقارنة بمستواه السابق البالغ 40850 جنيهاً، محققاً زيادة قدرها 1200 جنيه تضاف مباشرة إلى الأعباء المالية المتراكمة على كاهل المواطنين.
​
​
كما لحقت شركة السويس للصلب بركب الغلاء عبر رفع سعر الطن إلى 41550 جنيهاً بعد أن كان يسجل 40350 جنيهاً، بزيادة بلغت 1200 جنيه تعكس حالة الانفلات التسعيري السائدة في الأسواق المحلية.
​
​
ومن جهة أخرى، فرضت شركة المراكبي للصلب الزيادة الأكبر بقيمة 1700 جنيه دفعة واحدة، ليصل سعر الطن لديها إلى 41500 جنيه، وسط غياب تام لأي آليات رقابية تحمي المستهلك من تغول الشركات.
​
​
وعلاوة على ذلك، تشمل كافة هذه الأسعار المعلنة ضريبة القيمة المضافة البالغة نسبتها 14%، مما يضاعف الكلفة النهائية التي يتحملها المشتري في ظل تآكل القدرة الشرائية وتراجع مستويات الدخل الحقيقي للأسر المصرية.
​
​
وبالعودة إلى مطلع شهر أكتوبر الجاري، كانت شركتا عز والجارحي قد مهدتا لهذا الغلاء برفع أسعارهما بنحو 1000 و1100 جنيه للطن، حينما وصل سعر حديد عز آنذاك إلى مستوى 40850 جنيهاً للطن.
​
​
ومن جانبه، أقر أحمد عبد الواحد، وكيل شركات الحديد ورئيس شركة عبد الواحد ستيل، بدخول زيادات شركتي عز والسويس للصلب حيز التنفيذ يوم الأحد 25 أكتوبر، لتنعكس فوراً على تكلفة الشراء لدى التجار.
​
​
وفي قراءة لهذه التطورات، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور عبد النبي عبد المطلب، وكيل وزارة التجارة والصناعة الأسبق، أن ترك الأسواق رهينة لتقلبات الصرف دون مظلة إنتاجية محلية يعكس خللاً هيكلياً في إدارة الملف الصناعي.

 

 

انهيار الجنيه يفاقم فواتير الاستيراد
​
​
وعلى صعيد متصل، انفجرت هذه الزيادات الاستثنائية عقب تخطي العملة الأمريكية حاجز 56 جنيهاً في البنوك لأول مرة، نتيجة السياسات النقدية التي أفقدت العملة المحلية قيمتها وأغرقت البلاد في دوامة الديون الخارجية.
​
​
وبالتزامن مع ذلك، شهدت الأسواق خروجاً متسارعاً للاستثمارات الأجنبية وضغوطاً متزايدة على ميزان المدفوعات، ليسجل الدولار 56.35 جنيه في البنوك الكبرى ومنها البنك الأهلي، في مشهد يعري هشاشة التدفقات النقدية المعتمدة على الأموال الساخنة.
​
​
وفضلاً عن ذلك، قفز سعر الصرف الرسمي من مستوى 52.4 جنيه إلى 56.6 جنيه خلال أسبوعين فقط، مما فرض واقعاً مأزوماً على مصانع الصلب التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتقلبات أسواق الصرف الرسمية.
​
​
وفي هذا الإطار، عزا حسن المراكبي، رئيس مجلس إدارة شركة المراكبي للصلب، تعديل القوائم التسعيرية إلى الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج، نظراً لاعتماد الصناعة الأساسي على استيراد الخامات ومستلزمات التشغيل من الخارج.
​
​
وبالإضافة إلى ما سبق، كشف عيد الشريف، عضو شعبة مواد البناء بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن صعود الدولار وارتفاع خام البليت عالمياً، بجانب توقعات زيادة أسعار المحروقات، يقفون وراء هذه القفزات السعرية المتلاحقة.
​
​
ورغم ذلك، تكشف المعطيات الاقتصادية أن استغلال المصانع لتحركات الصرف لتمرير زيادات فورية يتجاهل تفاوت اعتمادها الفعلي على الخامات المستوردة، وحجم المخزون المتاح لديها، مما يطرح تساؤلات حول غياب المنافسة الحقيقية في السوق.
​
​
ومن زاوية تحليلية، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور زهدي الشامي، نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أن توجهات حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي نحو الاقتراض وتخفيض قيمة العملة دمرت الصناعات التحويلية ورفعت تكاليف الإنتاج لمستويات قياسية.

 

 

شلل عقاري يهدد قطاع التشييد
​
​
ونتيجة لهذه السياسات، يواجه القطاع العقاري معضلة حقيقية تهدد بانهياره في ظل معاناته من ركود ملحوظ، حيث تبتلع الزيادات المتتالية في أسعار الحديد السيولة المالية المتبقية لدى شركات المقاولات والتطوير العقاري.
​
​
وبناءً على ذلك، تقف شركات المقاولات عاجزة عن تمرير هذه التكاليف الإضافية الباهظة إلى المشترين النهائيين في الوقت الراهن، بعد أن وصلت أسعار الوحدات السكنية إلى مستويات تفوق القدرة المالية للشريحة العظمى من المواطنين.
​
​
وفي الوقت ذاته، يشكل ضعف الطلب المحلي قيداً حقيقياً قد يمنع استدامة هذه الزيادات السعرية، لكنه يدفع في المقابل نحو توقف المشروعات القائمة، وتسريح العمالة اليومية التي تعتمد على قطاع التشييد كمصدر رزق وحيد.

 

وتأسيساً على ما تقدم، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، أن تغليب المشروعات الخرسانية الكبرى على حساب دعم الصناعة الوطنية أهدر الموارد الدولارية، وأدخل سوق البناء في نفق مظلم من الركود التضخمي.