طلب قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي تفويضاً نيابياً للتورط خارج الحدود، متذرعاً بصد هجمات الحوثيين لحماية الرياض، في خطوة تمهد لزج الجنود بمستنقع إقليمي مشتعل يهدد استقرار الدولة الهش.
وحيث تحث القيادة خطاها نحو موافقة برلمانية شكلية، تبرز مخاوف عميقة من تكرار انتكاسات تاريخية أهدرت موارد البلاد وأراقت دماء القوات في صراعات بالوكالة لا تخدم سوى حسابات التبعية السياسية الآنية.
فخ التفويض ومخاطر توريط الجيش
إذ يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور حسن نافعة أن طلب التدخل الخارجي يعكس خضوعاً كاملاً لحسابات التمويل الإقليمي، معتبراً تحويل القوات المسلحة لأداة طوارئ بالوكالة تهديداً مباشراً لتماسك الأمن القومي.
وعلاوة على ذلك، يمهد تمرير التفويض بعد جلسات مغلقة لقرارات متهورة تجرد البرلمان من أي دور رقابي حقيقي، وتترك مصير الجنود معلقاً برغبات أطراف خارجية لا تكترث بالكلفة الميدانية الباهظة.
وبناءً عليه، يواجه الجيش احتمالات الانزلاق في حرب استنزاف برية وبحرية واسعة النطاق، ضد جماعات مسلحة تمرست على القتال غير المتكافئ، ما يجعل أي انتشار محدود خطوة أولى نحو غرق حتمي.
ومن هذا المنطلق، تتصاعد التحذيرات من استنزاف الترسانة العسكرية والمخزون اللوجستي في جبهة معقدة، بينما تعاني الجبهات الحدودية الحيوية في سيناء والاتجاهين الغربي والجنوبي من مخاطر أمنية واضحة تتطلب اليقظة الدائمة.
وبالمثل، يثير الغموض المحيط بطبيعة المهمة مخاوف جدية، إذ لا يمكن فصل الدفاع المزعوم عن التورط في ضربات هجومية، ما يحول القوات المصرية إلى هدف مباشر للصواريخ والمسيّرات الحوثية في البحر الأحمر.
فضلاً عن ذلك، يعيد هذا المسار إنتاج آليات اتخاذ القرار الفردية التي تتجاهل مصالح الشعب الحيوية، وتغامر بأرواح العسكريين في مغامرة غير محسوبة تفتقر لأي غطاء شعبي أو استراتيجية خروج محددة.
وعلى صعيد متصل، يؤدي الانخراط في النزاع لتعطيل الملاحة في قناة السويس بشكل أعمق، حيث سترد الجماعات المسلحة باستهداف مباشر لكل حركة بحرية ترتبط بالقاهرة، مضاعفة بذلك حجم الخسائر الاقتصادية القائمة.
وفي السياق ذاته، يدفع النظام نحو مواجهة مفتوحة مع قوى إقليمية تدعم الحوثيين كإيران، مما يورط مصر في صراع محاور لا ناقة لها فيه ولا جمل، ويزيد عزلتها الدبلوماسية إقليمياً.
أشباح حرب الستينيات وكلفة الاستنزاف
وبينما يستحضر المشهد الحالي ذكريات حملة 1962 الكارثية، يؤكد المؤرخ والباحث في التاريخ العسكري الدكتور خالد فهمي أن إرسال القوات لليمن ارتبط تاريخياً بقرارات فوقية غيبت الحسابات الميدانية وقادت لهزائم مدمرة.
وفي ضوء ذلك، بدأت مأساة التدخل الأول بمفرزة صغيرة تحولت تدريجياً إلى جيش جرار ضم نحو 70000 جندي، غرقوا في تضاريس وعرة استنزفت قدرتهم القتالية وجعلتهم أهدافاً سهلة للقبائل المسلحة.
ونتيجة لذلك، تكبدت القوات خسائر فادحة أقر بها وزير الحربية الأسبق محمد فوزي، حيث سقط 3170 قتيلاً وأصيب 10686 عسكرياً، تاركين وراءهم ندوباً عميقة في الوجدان العسكري والاجتماعي للبلاد.
وعلى غرار تلك التجربة، تستمر القيادة الحالية في تجاهل الدروس المستفادة، وتكرر نفس الخطاب التبريري بدعوى الدفاع عن الأمن القومي، متناسية أن جبال اليمن لا ترحم الجيوش النظامية الغريبة.
ومن جهة أخرى، تشير المقارنات التاريخية إلى أن التورط في الستينيات جرد الجيش من كفاءته واستعداده لمواجهة العدو الحقيقي، مما مهد عملياً لوقوع هزيمة يونيو 1967 وضياع شبه جزيرة سيناء.
إضافة إلى ذلك، كلفت الحرب الأولى الخزانة أموالاً طائلة دمرت برامج التنمية، وهي نفس الدوامة التي يندفع إليها النظام حالياً رغم معاناته من أزمة ديون غير مسبوقة تنهك الاقتصاد.
وجدير بالذكر أن المواجهة التي انطلقت عقب إسقاط الإمام محمد البدر في 26 سبتمبر 1962، تحولت إلى مستنقع متعدد الأطراف، وهو المشهد ذاته الذي يعاد تركيبه بتوازنات أكثر تعقيداً اليوم.
ولذلك، فإن الادعاء بأن التحرك الحالي يختلف عن الماضي يمثل تضليلاً للرأي العام، فالجغرافيا اليمنية والتعقيدات القبلية تفرض قواعدها الصارمة التي لا تتغير بتغير الأنظمة الحاكمة في القاهرة.
تبعات اقتصادية وسياسية تنذر بالانهيار
وفي ظل هذه المخاطر، يوضح الخبير الاقتصادي ومستشار التنمية الدكتور عبد الخالق فاروق أن تمويل الحملات العسكرية الخارجية في وقت تشهد فيه البلاد أزمة سيولة وتضخماً قياسياً يقود الاقتصاد مباشرة نحو حافة الهاوية.
ومن هذا المنظور، فإن رهن دماء الجنود بالمساعدات والودائع الخليجية يحط من مكانة الدولة السيادية، ويجعل القرار العسكري سلعة تخضع للمساومات المالية بدلاً من الدفاع عن المصالح الوطنية العليا.
وبالإضافة إلى ذلك، تفرض العمليات البحرية والجوية تكاليف باهظة بالعملة الأجنبية لشراء الوقود والذخائر وصيانة المعدات، وهي موارد يحتاجها المواطنون لمواجهة الغلاء والفقر المتصاعد داخلياً.
وتأسيساً على ما سبق، يهدد استهداف السفن الحوثية بخفض إيرادات قناة السويس بصورة شبه كاملة، مما يحرم الخزانة من مليارات الدولارات الضرورية لسداد الالتزامات الدولية وأقساط الديون الخارجية المستحقة.
وعلاوة على الخسائر المالية، تخسر القاهرة استقلاليتها الإقليمية وتتحول إلى طرف تابع بلا رؤية استراتيجية، يكتفي بتنفيذ رغبات الممولين دون أي عائد سياسي أو دبلوماسي ملموس على المدى الطويل.
ومن تداعيات ذلك، تتصاعد حالة الاحتقان الداخلي جراء مغامرات الحكم غير المجدية، حيث يرى الشارع أن الأولى توجيه الطاقات نحو أزمة سد النهضة وحماية المياه بدلاً من الرمال اليمنية.
وفي الوقت نفسه، يعكس إرجاء البرلمان للتصويت بعد جلستين سريتين حجم الارتباك والقلق داخل أروقة الحكم، وإدراك بعض الدوائر لفداحة المغامرة التي يدفع بها قائد الانقلاب العسكري.
وبناء على هذه المعطيات، فإن المضي قدماً في هذا المسار العبثي سينهي ما تبقى من مظاهر القوة المصرية، ويضع البلاد تحت رحمة أزمات أمنية واقتصادية شاملة تصعب معالجتها لاحقاً.
وختاماً لهذا المسار المحفوف بالمخاطر، تقف القوات المسلحة أمام اختبار وجودي لم تشهده منذ عقود، في مواجهة قرارات تدفع بها مجدداً إلى أتون صراعات إقليمية خاسرة.

