مروان قبلان
كاتب وباحث سوري
تشكل انتخابات الكنيست الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، المقررتان في الأسبوعين المقبلين، محطتين مهمتين في تحديد اتجاهات الصراع مع إيران، بعد أكثر من ستة أشهر من المواجهة التي لم يتمكن فيها أي من أطرافها من فرض شروطه على الآخر. ورغم أهمية نتائج الانتخابات، قد يكون انتهاء الاستحقاقين أكثر تأثيرًا في مسار الصراع من نتائجهما المباشرة، فالرئيس دونالد ترامب، الذي اضطر إلى مراعاة الحسابات الانتخابية وتداعيات الحرب على الاقتصاد الأميركي، قد يجد نفسه بعدها أقل تقيّدًا بهذه الاعتبارات، وأكثر استعدادًا لاستخدام القوة لانتزاع تنازلات إيرانية عجز عن تحقيقها في الأشهر الماضية. وبالمثل، قد يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خصوصًا إذا احتفظ تحالفه اليميني بأغلبيته البرلمانية، فرصة ثانية لاستكمال ما عجز عن تحقيقه في الجولة الأولى من الحرب.
لذلك، قد لا يتعلّق السؤال الأهم بعد الانتخابات باحتمال تجدّد المواجهة مع إيران، بقدر ما يرتبط بطبيعة الأدوار التي سيتقاسمها ترامب ونتنياهو في إدارتها، في ضوء تقاربهما بشأن ضرورة إخضاع طهران للشروط الأميركية والإسرائيلية، واختلاف حساباتهما بشأن الوسائل والغايات. فبينما قد يسعى ترامب إلى التهديد باستخدام إسرائيل لضرب إيران لانتزاع تنازلاتٍ تتيح له إعلان انتصار سياسي، قد يرى نتنياهو في استئناف الحرب فرصة لإسقاط النظام، أو أقله إضعاف إيران بصورةٍ تجعل من غير الممكن لها تشكيل أي تهديد لإسرائيل مهما كان ضئيلا.
منذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في الثامن من إبريل الماضي، سعت إدارة ترامب إلى الحد من قدرة إسرائيل على اتخاذ خطوات عسكرية منفردة قد تؤدّي إلى توسيع الحرب أو تقويض فرص التسوية. لكن انتهاء الانتخابات قد يغيّر هذه المعادلة، خصوصًا إذا استمر تعثر المفاوضات. فقد تجد واشنطن في إعادة إسرائيل إلى واجهة المواجهة وسيلة لزيادة الضغط على طهران، من دون الاضطرار إلى استئناف العمليات العسكرية الأميركية الواسعة. وقد يقوم هذا الترتيب على تقسيم غير معلن للأدوار، تتولى فيه الولايات المتحدة إدارة المفاوضات والضغوط الاقتصادية، فيما تتولّى إسرائيل إبقاء التهديد العسكري قائمًا، وربما تنفيذه عند الحاجة. غير أن نجاح هذه المقاربة يفترض قدرة واشنطن على ضبط التصعيد الإسرائيلي.
وتبرز خطورة هذا الاختلاف في احتمال استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، فقد ترى واشنطن في التهديد بضرب البنية النفطية والغازية وسيلة لإرغام طهران على تقديم تنازلات، فيما قد ترى إسرائيل في تنفيذ هذه الضربات فرصةً لإلحاق أضرار طويلة الأمد بالاقتصاد الإيراني، تسهم في إضعاف النظام وصولًا إلى إسقاطه. لكن مثل هذا التصعيد قد يدفع إيران إلى الرد على منشآت الطاقة في دول الخليج، ما يوسّع نطاق الحرب ويرفع تكلفتها على الولايات المتحدة وحلفائها. وهنا تظهر حدود فكرة تقسيم الأدوار، فإسرائيل قد تتولى تنفيذ العمليات العسكرية، لكن واشنطن لن تستطيع بالضرورة تجنّب نتائجها، خصوصًا وأن هذا سيبقى مرهونًا باستجابة إيران لها. فقد أظهرت الأشهر الماضية أن التفوّق العسكري الأميركي الإسرائيلي، رغم الأضرار الكبيرة التي ألحقها بإيران، لم يكن كافيًا لإجبارها على قبول الشروط المطروحة عليها. وفي ضوء هذا، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على ثلاثة احتمالات تتمثل في استمرار المفاوضات مترافقة بضربات عسكرية أميركية محدودة لزيادة الضغط على إيران، أو السماح لإسرائيل بشن ضرباتٍ ضد منشآت الطاقة الإيرانية في حال فشل التوصل الى تسوية يرضى بها ترامب، أو الانزلاق إلى حربٍ أوسع تشارك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل، إذا أخفقت محاولات ضبط التصعيد.
وعليه، لن تكون المسألة الأساسية بعد الانتخابات بشأن ما إذا كنا سنعود الى المواجهة العسكرية، بل كيف وبأي مستوى نعود اليها. وسوف يتمثل التحدي الأكبر في هذه الحالة بمن يحدّد أهداف هذه القوة وحدود استخدامها. فترامب يبدو مهتمًا بتصعيد عسكري يفضي إلى اتفاق يستطيع تقديمه بوصفه انتصارًا سياسيًا، بينما قد يرى نتنياهو في الحرب فرصة لتحقيق أهداف تتجاوز أي تسوية تفاوضية. وقد تكمن المفارقة في أن ترامب، الذي قد يسعى إلى استخدام إسرائيل أداة لإخضاع إيران لشروطه، قد يجد نفسه في نهاية المطاف مضطرًا إلى خوض حرب وفق حسابات نتنياهو، لا وفق الحسابات التي بدأ منها.

