طالب النائب حسام حسن حكومة التقشف بتفسير أنباء تعيين خمسة مساعدين لوزير الاستثمار في مصر برواتب تقارب 1.5 مليون جنيه شهريًا، واضعًا امتيازات المناصب أمام المساءلة بينما يضغط الغلاء على قوت الأسر ويضاعف مخاوف الجوع.

 

وفي المقابل، وضع الطلب خطاب ترشيد النفقات في مواجهة الأجور الاستثنائية المتداولة، إذ لا تستقيم مطالبة الأسر باختصار احتياجاتها الأساسية بينما تحتاج مخصصات خمسة مناصب إلى مساءلة برلمانية لمعرفة حقيقتها ومبرراتها ومصادر تمويلها.

 

 

تقشف على الموائد وسخاء للمكاتب

 

وبحسب طلب الإحاطة، المنشور يوم 19 أكتوبر، تبلغ الأجور المتداولة نحو 300 ألف جنيه للمساعد الواحد، وهي معلومات طالب النائب الحكومة بتقديم مستنداتها وتحديد أساسها المالي، بما يضع مسؤولية الإجابة على عاتق الوزارة.

 

وقبل ذلك، نشرت صحيفة «الوفد» يوم 18 أكتوبر قائمة قالت إنها تضم رواتب المساعدين، تضمنت 332 ألف جنيه لأمجد منير ونحو 299 ألفًا و660 جنيهًا لكل مساعد من الأربعة الآخرين.

 

وبحساب التقدير الوارد في طلب الإحاطة، تعادل الفاتورة 18 مليون جنيه سنويًا، إذا صحت الأرقام واستمر صرفها، قبل أي مكافآت أو بدلات مثبتة، ما يضاعف ضرورة مساءلة الحكومة عن مبررات التكلفة.

 

وبالمقارنة مع الحد الأدنى الحكومي المعلن البالغ ثمانية آلاف جنيه، يعادل الراتب المتداول للمساعد 37.5 ضعف هذا الحد، أي ما يجمعه العامل الذي يتقاضاه خلال أكثر من ثلاثة أعوام مقابل شهر واحد.

 

وفي الأثناء، سجل البنك المركزي ارتفاع أسعار الخضروات والفاكهة بنسبة 11.3 بالمئة خلال سبتمبر وحده، بما يوضح أن الضغط على موائد الأسر مستمر، وأن تراجع معدل التضخم العام لا يعني انخفاض الأسعار.

 

وعلى هذه الخلفية، حذر الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، في تصريحات منشورة يوم 19 أكتوبر، من أن أعباء الدين تضيق قدرة الدولة على تمويل التعليم والصحة وتلبية أولويات المواطنين.

 

كذلك، ربط نافع الضغوط على الأسعار بتراجع القوة الشرائية للجنيه وصدمات المحروقات، وهي قراءة تضع أجور الوظائف العليا أمام سؤال الأولوية، حين تزاحم كلفة المعيشة الاحتياجات الأساسية في ميزانيات الأسر.

 

وفوق ذلك، فإن أي مزايا إضافية تستلزم إفصاحًا مستقلًا يحدد قيمتها والمستفيدين منها، لأن الاكتفاء بإعلان الأجر وحده قد يحجب التكلفة الكاملة، ويحول النقاش إلى حساب مبتور لما تتحمله الموارد العامة.

 

لذلك، فإن وضع هذه الرواتب تحت المجهر يختبر صدقية التقشف الحكومي، فالأسر التي تحسب ثمن وجباتها بالجنيه تستحق جوابًا محددًا عن أولوية إنفاق الملايين، لا خطبة أخرى تطالبها بالصبر على ضيق المعيشة.

 

 

رواتب استثنائية تحت مساءلة القانون

 

وعلى الصعيد القانوني، طالب المحامي تامر جمعة، في تعليق على الواقعة نُشر يوم 19 أكتوبر، بإعلان قرارات التعيين والأجور وأساسها القانوني، وإخضاعها للفحص الرقابي للتحقق من سلامة الإجراءات ومبررات المقابل المالي.

 

كما شدد جمعة على أن الاستعانة بأصحاب الخبرة لا تعفي القرارات المالية من المساءلة، وأن صدور قرار إداري بالتعيين لا يسقط حق المجتمع في معرفة مبررات الإنفاق ومدى التزامه بالقواعد المنظمة.

 

وفي هذا الإطار، طالب حسام حسن بتوضيح مدى انطباق قواعد الحد الأقصى للأجور على التعاقدات، وهو سؤال يستلزم عرض طبيعتها والجهات الممولة لها، بدل ترك القانون عنوانًا غامضًا لا يرى المواطن مستنداته.

 

وبناءً عليه، فإن فحص المشروعية يبدأ من العقود وقرارات تحديد الأجور، لأن أي استثناء تتمسك به الوزارة يحتاج سندًا معلنًا، ولا يكفي تقديم المنصب بوصفه حساسًا أو مهمًا لتبرير أي مبلغ.

 

وبالتوازي، يتعين أن يشمل البيان المطلوب مصادر التمويل وبنود الموازنة التي تتحمل التكلفة، حتى يتضح إن كانت الأجور تخصم من اعتمادات الوزارة أو موارد جهة أخرى، وما الالتزامات المترتبة عليها لاحقًا.

 

ومن جهة أخرى، طالب النائب بتحديد اختصاصات الوظائف الجديدة ومنع تداخلها مع الهياكل القائمة، فاستحداث موقع مرتفع الكلفة فوق أجهزة تؤدي المهمة نفسها يحتاج تفسيرًا إداريًا قبل أن يحتاج دعاية عن التطوير.

 

وإزاء ذلك، يصطدم شعار ترشيد الإنفاق بسؤال بالغ البساطة عن سبب هذه الأجور، بينما لا تقدم عبارات الكفاءة وحدها إجابة عن تكلفتها، ولا تمنح الحكومة حق إغلاق الملف أمام الرقابة.

 

وفي المسار البرلماني، طالب حسام حسن بإحالة طلبه إلى اللجنة المختصة وتقديم بيان حكومي تفصيلي، بما ينقل الملف من تداول الأرقام إلى مواجهة المستندات، ويتيح تحديد المسؤوليات بدل تبديدها بين الجهات.

 

ولهذا، فإن ثبوت أي مخالفة يستدعي تحديد المسؤول عنها وتصحيحها، كما أن سلامة الإجراءات لا تعفي الحكومة من تفسير جدوى التكلفة، فالمشروعية المالية وكفاءة الإنفاق سؤالان متلازمان عند التصرف في المال العام.

 

 

الكفاءة لا تثبت بكثرة المناصب

 

وفي ملف اختيار الكفاءات، قال جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، في حديث نشرته «إيجبتك» يوم 13 أكتوبر، إن منح المواقع والعضويات لا يضمن مشاركة مؤثرة في صنع القرار.

 

كذلك، وصف عبد الخالق منح بعض الأشخاص مواقع وعضويات تجعلهم حريصين على الاحتفاظ بامتيازاتها، مشيرًا إلى أن حضور الخبراء داخل اللجان لا يعني بالضرورة مشاركتهم المؤثرة في المناقشات وصنع القرارات.

 

وانطلاقًا من ذلك، فإن تبرير الأجور العالية بالكفاءة يستدعي إعلان معايير الاختيار والمؤهلات والخبرات المطلوبة، حتى يمكن تقييم العلاقة بين المقابل المالي والعمل المنتظر، بعيدًا عن تحويل كلمة الخبرة إلى حصانة.

 

وفي المقابل، تحتاج الوزارة إلى بيان ما إذا كانت التعيينات تسد احتياجات فنية محددة، وكيف جرى تقييم المرشحين، وما الذي يميز مهاراتهم عن الخبرات المتاحة داخل الجهاز الإداري والهيئات التابعة.

 

وبالقدر نفسه، ينبغي تحديد المهام التي سيحاسب عليها كل مساعد، لأن توزيع الألقاب دون مسؤوليات قابلة للقياس يفتح الباب لتبادل المسؤولية عند التعثر، بينما تبقى الرواتب التزامًا ثابتًا على الجهة الممولة.

 

وعلى مستوى الاستثمار، وضع طلب الإحاطة تحسين بيئة الأعمال وتيسير الإجراءات وزيادة الاستثمارات ضمن النتائج المطلوب ربط التعيينات بها، وهي أهداف تحتاج مؤشرات واضحة ومواعيد محددة لقياس التنفيذ ومراجعة التكلفة.

 

وبهذا المعيار، يظهر أثر العمل في تقليص مدد إنجاز الخدمات وتسوية مشكلات المستثمرين وإزالة الإجراءات المكررة، وهي نتائج يمكن فحصها، بخلاف الاكتفاء بعرض الاجتماعات والزيارات بوصفها دليلًا على استحقاق الأجور.

 

وعند غياب هذا الربط، تتحول عبارة جذب الكفاءات إلى مبرر مفتوح للتوسع في المخصصات، بينما لا يمتلك المواطن أو البرلمان وسيلة عملية للحكم على ما إذا كانت هذه النفقات تحقق مصلحة عامة.

 

ومن هنا، فإن الرد المطلوب يتجاوز أسماء المعينين إلى عقودهم وأجورهم ومهامهم ومؤشرات أدائهم، بحيث تعرف الأسر التي تتحمل ضغوط الأسعار لماذا تُنفق هذه الأموال، وما الذي يعود عليها من إنفاقها.

 

وأخيرًا، تبقى حكومة التقشف مطالبة بإجابة تليق بثقل الأرقام المتداولة، فالمصريون الذين يواجهون الغلاء ومخاوف الجوع لا يدينون لأصحاب المناصب بالصمت، والمال العام لا يصبح مباحًا لمجرد إحاطة المستفيدين منه بلغة الكفاءة.