فرضت العدالة الإيطالية منطقها الصارم على قضية غرق العبارة السلام 98 بعد عقدين من التجاهل، معيدة رسم المسؤوليات الجنائية والمدنية المتشابكة في واحدة من أبشع الجرائم الملاحية المعاصرة في مياه البحر الأحمر.

 

وبموجب هذا التطور الاستثنائي، تحمل محكمة جنوة الابتدائية هيئة التصنيف البحرية الإيطالية رينا كامل التبعات القانونية، فارضة تعويضات ضخمة تتجاوز قيمتها 60 مليون يورو لإنصاف أسر الضحايا المسحوقين أمام تحالف السلطة والمال.

 

سقوط مظلة الحصانة عن رينا


وتأسيساً على هذا المبدأ، يؤكد الحكم القضائي أن التفتيش الصوري ومجاملة رأس المال يشكلان ركناً أصيلاً في جريمة القتل الجماعي، خاصة حين تصدر شهادات الصلاحية لسفن متهالكة تفتقر إلى أدنى مقومات النجاة الآمنة.

 

وبالنظر إلى الحيثيات الرسمية، وزعت المحكمة مبلغ التعويضات ليشمل 40.1 مليون يورو كأصل تعويض مباشر لنحو 700 متضرر، إلى جانب فوائد تراكمية جبرت الفروق التمييزية الظالمة بحق النساء ومصاريف الجنازات المهدرة لسنوات.

 

واتصالاً بهذا التطور القانوني، يوضح الدكتور حازم الشوربجي، أستاذ القانون البحري والتحكيم الدولي، أن هذا المسار القضائي ينسف منظومة التواطؤ العابرة للحدود، مجبراً شركات التصنيف الفنية على تحمل التبعات الجنائية المباشرة لشراكتها في حماية الفاسدين.

 

وعلاوة على هذه الحيثيات، يشير الشوربجي إلى أن استمرار منح تراخيص الإبحار للعائمات المتهالكة يمثل امتداداً لسياسات بحرية تسقط حق المواطنين في السلامة مقابل تعظيم أرباح الشركات الملاحية المحمية باتفاقيات سرية تعفيها من المساءلة.

 

واستناداً إلى ذات المنطق، لم يعد بوسع المؤسسات الفنية الدولية التستر خلف الصلاحيات البيروقراطية، إذ أثبتت وقائع الدعوى وجود تقصير مهني متعمد أسهم مباشرة في غرق السفينة ومقتل ركابها العزل دون رقيب.

 

ومن هذا المنطلق، يفرض الحكم سابقة تاريخية تلاحق شبكات المصالح المستمرة منذ عهد المخلوع وحتى اللحظة، كاسراً جدار التواطؤ الذي حال دون ملاحقة المتسببين الحقيقيين في إزهاق أرواح مئات البسطاء في عرض البحر.

ونتيجة لهذه المعطيات القانونية، تفتح التعويضات الباب أمام تفكيك ترسانة الحصانات التجارية التي وفرتها المنظومة المحلية لرجال الأعمال، مانحة عائلات الشهداء وسيلة لانتزاع حقوقهم بعدما سدت أمامهم أبواب العدالة داخل مصر طوال 20 عاماً.

 

هندسة الموت وهروب الجناة المنظم


وبالرجوع إلى تفاصيل الفاجعة، استيقظت البلاد ليلة 3 من فبراير عام 2006 على غرق العبارة السلام 98 في عمق البحر الأحمر، أثناء إبحارها من ميناء ضبا السعودي إلى سفاجا بحمولة تجاوزت 1400 راكب.

 

وفي ضوء التحقيقات الموثقة، اشتعلت النيران في عنبر السيارات، ليتعامل الطاقم باستهتار بالغ عبر إغراق المركبة بمياه الإطفاء مع تعطل المضخات، ما تسبب في انقلابها السريع على بعد 57 ميلاً بحرياً من سواحل الغردقة.

 

وارتباطاً بهذا الانهيار المروع، قضى 1097 مواطناً نحبهم بين الغرق والتجمد، في حين لم تكتب النجاة سوى لنحو 400 شخص، واجهوا أهوال المياه الباردة لساعات طويلة نتيجة تأخر تحرك أجهزة الإنقاذ التابعة للقوات البحرية.

 

وبالتوازي مع تلك المخالفات، ثبت تعمد مالك العبارة ممدوح إسماعيل إضافة 4 طوابق علوية إضافية، بالمخالفة الفاضحة لجميع معايير الاتزان الهيكلي، بغرض مضاعفة سعة الركاب والتربح المالي دون أدنى اكتراث باحتمالات الغرق الوشيك للجميع.

 

ومن جهته، يؤكد المهندس أحمد الشافعي، استشاري الهندسة البحرية وبناء السفن، أن إجراء تعديلات غير هندسية لزيادة أرباح الملاك يشكل جريمة متعمدة تنفذ تحت مظلة تراخيص حكومية فاسدة تستهين بالأرواح في منظومة النقل الساحلي.

 

واستكمالاً لهذا التقييم الهندسي، يشدد الشافعي على أن افتقار المنظومة الرسمية لآليات تفتيش صارمة ومستقلة، يكرس الفوضى الفنية في الموانئ، حيث تُدار مرافق الملاحة بعقلية الجباية والتربح العشوائي على حساب متطلبات الأمان الإلزامية دولياً.

 

وبالإضافة إلى هذه الكوارث، فر رجل الأعمال المدان إلى لندن فور وقوع الجريمة، ليصدر بحقه لاحقاً حكم استئنافي مخفف بالسجن مدة 7 سنوات مع الشغل، وسط إجراءات حمت أصوله وثروته من المصادرة العادلة لصالح الضحايا.

 

وبموازاة الهروب المريب، تواطأ قبطان السفينة عبر التقاعس عن إرسال إشارات الاستغاثة في الوقت الحاسم، تاركاً العمال الكادحين يغرقون، ليؤكد السلوك الرسمي أن حماية أصحاب النفوذ كانت تسبق إنقاذ أرواح الفقراء في كل مرحلة.

 

توحش رأس المال وقمع الكادحين


وتأكيداً لهذه البيئة الطبقية، استهدفت الكارثة العمال العائدين من شقاء الغربة في الخليج والحجاج الفقراء، الذين يضطرون لركوب نعوش عائمة رخيصة التكلفة نتيجة غياب بدائل النقل الآمن وانهيار منظومة الرعاية الاجتماعية في البلاد بأسرها.

 

وعلى النقيض من الشعارات الحكومية، يمتد هذا التجاهل الممنهج لأرواح العمال حتى اليوم، حيث تحاصر السياسات الجائرة نحو 14 مليون عامل يرزحون تحت وطأة الفقر، وسط تحويل الحد الأدنى للأجور في جمهورية رجال الأعمال إلى مجرد حبر.

 

وتحليلاً لهذه البيئة المأزومة، يرى الدكتور رائد سلامة، باحث الاقتصاد السياسي والسياسات العامة، أن غرق العبارات وقوارب الهجرة يمثلان ثمناً مباشراً لسياسات اقتصادية تضحي بالطبقات الشعبية لمصلحة كبار المستثمرين وعسكرة الاقتصاد التي تعفي المتنفذين من أي مساءلة.

 

وانعكاساً لرؤية سلامة الاقتصادية، فإن تحويل المرافق الحيوية إلى أدوات للإثراء السريع، يترجم انحياز الأجهزة التنفيذية الكامل لرجال الأعمال، ويترك الأغلبية الكادحة عرضة للحوادث المميتة دون تعويضات عادلة أو حماية نقابية فعالة تصون كرامتهم.

 

وبناءً على هذه الوقائع، يعيد المشهد إنتاج المأساة نفسها مع كل مركب هجرة يغرق قبالة اليونان، مبرهناً أن سياسات رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي لا تختلف جوهرياً عن نهج مبارك في إذلال الكادحين ودفعهم للموت.

 

غير أن التكتم الأمني، ومحاولات غسل يد السلطة من الكوارث المتتالية، يثبتان أن دماء شهداء لقمة العيش تظل ملفاً معلقاً، يفضح عجز المؤسسات القضائية المحلية عن محاسبة رموز المنظومة الحاكمة وشركائها من المستثمرين المحليين والأجانب.

 

ومن جانب آخر، تعزز هذه الأحكام الدولية إصرار أسر المغدورين على مواصلة معركتهم القانونية والسياسية، بعدما سقطت أمام أعينهم شرعية نظام يفرط في سلامة أبنائه ويحمي الهاربين بأموال الشعب داخل وخارج حدوده المأزومة.

 

تبعاً لذلك، تبقى فاجعة البحر الأحمر محطة بارزة تلخص صراع الكادحين ضد شبكة مصالح إجرامية لم تتوان عن التضحية بنحو 1097 شهيد لضمان تدفق الأرباح إلى خزائن النخبة الحاكمة ورجال أعمالها المدللين طوال 20 عاماً.

 

وانطلاقاً من هذه الحقيقة الدامية، يرسخ قرار جنوة حتمية المحاسبة الشاملة، مؤكداً أن تراكم المظالم العمالية ودماء الغرقى ستظل تطارد كل من شارك في هندسة هذا الخراب، حتى استعادة العدالة المسلوبة بالكامل من أيدي الطغاة.