وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
لو كانت لجنة جائزة نوبل للسلام دولة لغزاها دونالد ترامب واعتقل رئيسها، أو على الأقل حشد قواته لمحوها من الوجود، فالرجل يناصب هذه الجائزة العداء منذ أطل على مسرح السياسة العالمية رئيسًا للولايات المتحدة مرتين في عشر سنوات.
يريد دونالد ترامب الجائزة إلى حد الحقد والكراهية للأرض التي يوجد عليها، والبشر الذين يحدّدون وجهتها، وكلما فاز بها أحد غيره تحوّل الحالم بجائزة السلام إلى مفاعل من الغل والكراهية والحنق على كل ما هو إنساني وحضاري. ... هذه المرّة، مع إعلان فوز الجائزة بالسيدة العظيمة نافي بيلاي، القاضية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية، عن "جهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي"، قرّر مواصلة الحرب الجنونية على المحكمة نفسها، لتضاف إلي قائمة أعدائه المرتبطين بالجائزة، ومنهم النرويج مقر اللجنة الدولية المانحة لأرفع جائزة للسلام في العالم، والتي كانت تحوم حولها شبهات الانحياز السياسي في مرّات سابقة، ويبدو أنها قرّرت هذه المرة أن تغتسل مما التصق بها من موروث سيء، وتتطهر من خضوعها للتجبر السياسي، وتتعطر وتتأنق وتذهب إلى الذي يستحقها وتستحقه في التوقيت الصحيح، لتستقر عند القاضية النزيهة القادمة من جنوب أفريقيا نافي بيلاي، التي أشرفت على تقرير للأمم المتحدة خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزّة. وجاء في حيثيات حصولها على الجائزة أن منظومة القانون الدولي تتعرّض لضغوط هائلة، وتتعرّض مؤسّساتها لهجمات، إذ نشهد تحوّلا نحو سياسة القوة على حساب الأطر القانونية والاحترام العالمي للقانون والعدالة. وكلما طغت القوة على الحق، فإنها تقوض الاستقرار والثقة والتعايش السلمي".
فور إعلان الجائزة، فرض الرئيس الأميركي عقوبات جديدة علي المحكمة الجنائية الدولية، ثم راح يطلق رشقة جديدة من التصريحات المثيرة للسخرية من المستويين، العقلي والثقافي، لشخص يترأس أكبر امبراطورية. قال "كان يجب أن تنال الولايات المتحدة، ممثلة بي، أنا رئيسكم، جائزة نوبل للسلام، لكن هذا لم يحدث". وأضاف: "إنها وصمة عار لا تُمحى على النرويج والذين اتخذوا هذا القرار المخزي والمحرج"، ثم قال عن الفائزة إنها "شخصية ليبرالية تعمل في الأمم المتحدة ولم يسمع عنها أحد من قبل".
في اليوم نفسه، كان داعية الإبادة وإزالة الأمم من الوجود الحالم ب"نوبل للسلام" يعلن "إما أن تعطينا إيران كل ما نريده أو تكون غير موجودة". هكذا بكل سهولة يريد الرجل أن يكون قاتلًا وحاصلًا على أكبر جائزة للسلام والتعايش والحفاظ علي قيم العدالة في الوقت نفسه، وهي حالة لا تفسير علميًّا لها إلا في مناهج الطب النفسي، والبحث في إشكالية البارانويا التي تصيب الشخص فينشطر إلي نقيضين، أحدهما يتلذذ بالقتل والدم والإبادة والآخر يطالب بمكافأته على كل هذه الأعمال الإجرامية، وخصوصًا حين يصل به الحال إلى القول إنه لا يستحق جائزة نوبل واحدة فحسب، بل واحدة عن كل حرب من الحروب الثمانية التي أوقفها، وإنه قد ينال قريبًا نوبل للسلام التاسعة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية. هكذا يطلبها لنفسه وكأنه يطلب وجبات من الهامبرغر ولا يدفع ثمنها.
في العام الماضي، ذهبت الجائزة إلى الفنزويلية الترامبية المتصهينة الداعمة للإبادة الجماعية في غزّة، ماريا ماتشادو، وهي منتمية إلى كل القبح القيمي الذي يجسّده دونالد ترامب، بل منحازة حد الهوس بالرئيس الأميركي نفسه. وعلى الرغم من هذا، استشاط ترامب غضبًا كالعادة، وأعلن أنه الأجدر بالجائزة، ثم صاح "أنهيت بمفردي ثمانية حروب.. والنرويج (عضو الناتو) اختارت، بحماقة، ألّا تمنحني جائزة نوبل للسلام". وكتب رسالة تهديد إلى رئيس الوزراء النرويجي جوناس غار: "عزيزي جوناس، نظرًا إلى أن بلدكم قرّر عدم منحي جائزة نوبل للسلام عن جهودي في وقف ثمانية حروب وأكثر، لم أعد أشعر بالالتزام بالتفكير في السلام فقط، مع أنه سيظلّ دائمًا هو السائد، ولكن يمكنني الآن التفكير فيما هو لصالح ومناسب للولايات المتحدة".
تبقى القيمة الأعلى في جائزة نوبل للسلام هذا العام أنها ذهبت إلى النقيض الشامل لكل ما يمثله دونالد ترامب، بوصفه الشخص الذي لا يترك مناسبة من دون أن يؤكد فيها أنه يحتقر القانون الدولي والإنساني، وبات الضمير العالمي يسخر منه، ويدرك أنه يجسّد الخطر الأكبر على سلام العالم، فمتى يتوقف العرب الرسميون عن الإذعان والخضوع لهذا الشخص، إلى حد تسليمه مصائر البلاد والعباد، والإنفاق ببذخ سفيه على آلته العسكرية الإجرامية، التي تقتل العرب بيد العرب، وتدمر المسلمين بيد المسلمين، بينما يقف الحالم بجائزة السلام يضحك صحبه شريكه الصهيوني.

