سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس

 

لطالما احتلت الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية مكانة محورية في المشهد السياسي التونسي، حتى في ظل الحظر. ويُعزى هذا الحضور التاريخي الى قِدم ظهور التشكيلات السياسية في تونس، وقد برز التعدّد الحزبي في تونس منذ بداية القرن الماضي، فقد تأسست حركة الشباب التونسي سنة 1907، فيما ظهر أول حزب ذي برنامج محدد سنة 1920 وهو الحزب الحر الدستوري الذي قاده عبد العزيز الثعالبي. ومع نهاية الحقبة الكولونيالية، كان على الأحزاب أن تكافح لتترسخ في الحياة السياسية التونسية، شأن غيرها من المفاهيم السياسية كالليبرالية الدستورية والحكم التمثيلي.

 

لم تظهر في ظل الحكم البورقيبي محاولات جديدة لإرساء نظام لتعددية الأحزاب في زمن كان الاتجاه السائد فيه تشويه المبادئ الديمقراطية أو رفضها، وحافظ زين العابدين بن علي على التوجهات البورقيبية القائمة على حكم الحزب الواحد مع السماح لعدد من الأحزاب (لا يتجاوز عددها الثمانية) بمجرد الحضور الشكلي.

 

أدى سقوط بن علي في 14 يناير 2011 حرفيًا إلى ظهور عشرات "الأحزاب السياسية" الجديدة (أكثر من 250 حزب). ومع تنوع الأحزاب التونسية حينه، إلا أنها تنبع من ثلاثة أصول رئيسية: الأحزاب التي تمثل امتدادًا لنظام الحزب الواحد. أحزاب هي في الأصل جماعات سرية لتنظيمات إسلامية وقومية ويسارية كانت تنشط بشكل غير قانوني، وثالثًا: تأسست أحزاب جديدة تولى قيادتها سياسيون كانوا بالفعل شخصيات عامة معروفة إما شخصيات معارضة تاريخية أو مسؤولين سابقين سقطوا من السلطة.

 

وعلى الرغم من ندرة الدراسات الجادة للظاهرة الحزبية في تونس، يبدو أن هناك اتفاقًا بين المراقبين على أن معظم الأحزاب تتسم بضعف تنظيمي. وتُستثنى جزئيًا جماعات تحولت إلى أحزاب سياسية خلال العشرية الديمقراطية على غرار حركة النهضة. وبغض النظر عن هذه الحالة، لا يوجد في الواقع تحليل معمق لأحزاب محددة، وكأنها ضعيفة التنظيم لدرجة تصعب معها دراستها. فإلى جانب وجودها الرسمي، تتسم هذه الأحزاب بمركزية شديدة وممارسات شخصية وغير رسمية يصعب فهمها. وغالبًا ما تكون أنشطتها غير منسّقة وغير متّسقة. علاوة على ذلك، نادرًا ما تُحلل الأحزاب التونسية من حيث الأيديولوجيا والبرامج والمنصات السياسية، وربما هذا ما يفسر سرعة انهيارها وتحولها الى هامش الممارسة السياسية منذ بداية مسار 25 جويلية (يوليو) 2021 الحالي.

 

فقدت الأحزاب التونسية أهميتها في الممارسة السياسية، ومن لم يجد نفسه مصنفًا ضمن المعارضة المغضوب عليها سلطويًا تحول إلى مجرّد حزب بائس يسير في ركاب السلطة القائمة دون أن تتم استشارته أو حتى منحه مجرد دور دعائي لتزيين الواجهة السياسية للحكم كما كان يفعل بن علي سابقًا. وفي غياب التأثير الفعلي والمشاركة في صنع القرار كما كان يحصل زمن العشرية الديمقراطية، تأتي البيانات والتصريحات لدى بعض الأحزاب لتحل محل التواصل المباشر مع الشارع ولتكون المواقف مجرد عبارات إنشائية ناقدة لما تسميه الخيارات الليبرالية، مع أن المسألة لم تتعلق يومًا بطبيعة الخيارات، وإنما بصاحب السلطة الذي يختار. وخيار السلطة الحالية هو تهميش الأحزاب وإلغاء دورها في ظل نظام انتخابي يقوم على الأفراد وتحريض مستمر على فكرة التعدّدية ووجود فجوة حقيقية تفصل الأحزاب عن الشارع، خاصة مع اعتمادها على الخطابات النمطية والشعارات الرنانة المنفصلة عن هموم المواطنين اليومية.

 

وبالنظر إلى نقاط ضعفها التنظيمية، قد يتساءل المرء عما إذا كان من المناسب حتى تسمية الفاعلين السياسيين التونسيين الجدد بـ"أحزاب سياسية". فكم من هذه التشكيلات الجديدة تنطبق عليها فعلًا التعريفات الكلاسيكية للحزب السياسي؟ وهل أسماء هذه الأحزاب مجرد تسميات لمنظمات هي في الواقع فصائل غير منظمة وذات نزعة شخصية، تم تجميعها على عجل وبشكل غير متماسك حول قادة سياسيين؟

 

رغم قتامة المشهد، ينبغي التذكير دائمًا بأنه لا يمكن لأي نظام سياسي مستقر أن يزدهر في ظل أحزاب هامشية، فاستعادة دور الأحزاب يتطلب إصلاحات سياسية عميقة تعيد الاعتبار للممارسة الديمقراطية وتضمن حرية التنافس وبروز برامج حقيقية تلبي تطلعات الشارع.