أعاد قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي إلى مجلس النواب مشروع قانون إنشاء «جامعة كيان بالقوات المسلحة للعلوم التطبيقية»، معترضًا على المادة 25 التي كانت تمنح طلاب الشعبة العسكرية مكافأة شهرية تعادل أول راتب لرتبة الملازم والتعويضات المقررة قانونًا.

 

وكان النص يمنح الطالب هذه المكافأة اعتبارًا من التاريخ الذي يحصل فيه أقرانه من خريجي الكلية الحربية على رتبة ملازم، بشرط إتمام دراسته بنجاح، كما كان يمنح طلاب الجامعة المتفوقين مكافأة سنوية وفق الشروط التي تحددها اللوائح الداخلية.

 

وبرر الاعتراض بأن جامعة كيان تضم شعبتين عسكرية ومدنية وتستهدف تخريج ضباط ومدنيين، وأن منح مكافآت مالية لفئة من الطلاب قد يثير إشكالية تتعلق بمبدأ المساواة الدستوري، رغم خضوع الدراسة داخل الجامعة لنظام الإقامة الداخلية.

 

لكن القضية لا تتوقف عند قيمة مكافأة طالب، إذ يفتح التبرير نفسه سؤالًا أوسع بشأن معيار المساواة وحدود تطبيقه عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات الاقتصادية والشركات المرتبطة بالقوات المسلحة، والتي تشير تقارير دولية إلى حصولها على معاملة ضريبية وتنظيمية خاصة.

 

 

مكافآت الطلاب تحت المراجعة

 

أحال مجلس النواب اعتراض السيسي وبيان مصطفى مدبولي إلى اللجنة العامة لدراسة مشروع القانون والنص محل الاعتراض وأسبابه الدستورية والتشريعية، في مسار برلماني يعيد المادة محل الخلاف إلى دائرة المراجعة.

 

ولا تنحصر المسألة هنا في بضعة آلاف من الجنيهات يحصل عليها طالب، لأن إنشاء الجامعة نفسها يثير أسئلة أوسع عن طبيعتها وموقعها داخل منظومة التعليم المصري وعلاقتها بالمؤسسة العسكرية.

 

فالجامعة تجمع بين شعبتين عسكرية ومدنية، وهو ما يفتح نقاشًا بشأن طبيعة المناهج ومن يضعها، وكيف تدار الجامعة، وما حدود استقلالها الأكاديمي والإداري، وكيف تنظم العلاقة بين المسارين العسكري والمدني.

 

كما يطرح إنشاء جامعة تحمل صفة تعليمية مدنية داخل منظومة القوات المسلحة تساؤلًا عن اتجاه التوسع المؤسسي العسكري في مجالات لم تعد مقصورة على التدريب العسكري التقليدي، وإنما تمتد إلى التعليم التطبيقي وإعداد الخريجين المدنيين.

 

 

«السيسي عنده مشكلة مع الدفع»

 

وانتقلت القضية سريعًا إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تعامل بعض المعلقين معها بسخرية، وربطوا الاعتراض على مكافآت الطلاب بطريقة أوسع في إدارة المال العام.

 

وعلى منصة «إكس»، كتب أحمد علي – @Aliahmedxk تعليقًا ساخرًا قال فيه إن «السيسي عنده مشكلة مع الدفع»، قبل أن يربط اعتراضه على المكافآت برؤيته لطريقة التعامل مع الأموال العامة والامتيازات.

 

https://x.com/Aliahmedxk/status/2105669800491942167

 

وهذه العبارة لا تمثل تفسيرًا موثقًا لدافع القرار، لكنها تعكس الطريقة التي استقبل بها جانب من مستخدمي مواقع التواصل الواقعة، باعتبارها أكبر من مجرد نص متعلق بمكافأة شهرية.

 

وفي الاتجاه نفسه، طرح د. يحيى غنيم – @YahyaGhoniem أسئلة تتجاوز المكافأة إلى طبيعة جامعة كيان نفسها، متسائلًا عن المناهج والإدارة والتقييم وحدود استقلال الجامعة عن البنية المؤسسية للقوات المسلحة.

 

كما تساءل عن إمكانية تحول الجامعة إلى مدخل لتوسيع النموذج العسكري داخل قطاع التعليم المدني، وعن شكل العلاقة التي ستنشأ بين المؤسسة العسكرية والطلاب المدنيين داخل الجامعة الجديدة.

 

 

https://www.facebook.com/photo?fbid=1401448492100628&set=a.113788360866654&locale=ar_AR

 

المساواة أمام امتيازات الشركات

 

وتصبح المقارنة أكثر حساسية عند النظر إلى البيانات التي أوردها صندوق النقد الدولي بشأن الشركات المرتبطة بالقوات المسلحة، إذ يتحدث التقرير عن نحو 80 شركة عسكرية تستفيد من أشكال مختلفة من المعاملة الخاصة.

 

وتشمل هذه المزايا، وفق التقرير، إعفاءات ضريبية، وإتاحة أراضٍ في مواقع متميزة، وإجراءات ترخيص وتنظيم أكثر سهولة، إلى جانب محدودية الإفصاح عن بعض الأوضاع المالية لهذه الشركات.

 

https://www.elibrary.imf.org/view/journals/002/2025/186/article-A001-en.xml

 

كما يشير تقرير صندوق النقد إلى أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع يمتلك 62 شركة تعمل في قطاعات متنوعة، من بينها الأغذية والأسمنت والأسمدة والسيارات وتوزيع الوقود.

 

https://www.imf.org/-/media/files/publications/cr/2025/english/1egyea2025001-source-pdf.pdf

 

ومن هنا تظهر المفارقة التي يستند إليها منتقدو القرار؛ فمكافأة طالب بالشعبة العسكرية تخضع للمراجعة باسم المساواة، بينما توجد في الجانب الآخر شركات عسكرية يشير تقرير دولي إلى تمتعها بمزايا ضريبية وتنظيمية لا تتوافر بالشكل نفسه لجميع المنافسين في السوق.

 

ولا يعني ذلك أن مكافآت الطلاب والامتيازات الاقتصادية للشركات حالتان متماثلتان قانونيًا، لكن استدعاء مبدأ المساواة لتبرير الاعتراض على المادة 25 يجعل السؤال عن اتساق تطبيق هذا المبدأ مشروعًا.

 

 

جامعة كيان تفتح ملفًا أكبر

 

كما أن التركيز على المكافآت وحدها قد يحجب النقاش الأهم المتعلق بطبيعة الجامعة نفسها، فالجامعة الجديدة لا تنتمي بالكامل إلى نموذج الكليات العسكرية التقليدية، ولا إلى نموذج الجامعات المدنية المعتاد.

 

ووجود طلاب عسكريين ومدنيين داخل مؤسسة واحدة تابعة للقوات المسلحة يطرح أسئلة عن قواعد الإدارة والانضباط والتقييم، وعن طبيعة الحقوق والواجبات التي ستطبق على كل فئة.

 

كما يفتح الباب أمام التساؤل عن مدى استقلال القرار الأكاديمي، وما إذا كانت الجامعة ستعمل بالمعايير نفسها التي تحكم الجامعات المدنية أم وفق منظومة خاصة تستند إلى طبيعتها العسكرية.

 

وتتحول المادة 25 بذلك من خلاف محدود حول مكافأة شهرية إلى نافذة على نقاش أوسع يتعلق باتجاه الدولة إلى إنشاء مؤسسات تعليمية جديدة داخل بنية القوات المسلحة.

 

 

الاعتراض للمرة الثالثة

 

ولا تمثل إعادة مشروع قانون جامعة كيان الحالة الأولى التي يستخدم فيها السيسي حق الاعتراض على مشروع قانون سبق أن أقره البرلمان.

 

ففي أكتوبر 2018، اعترض على عدد من مواد مشروع قانون تنظيم البحوث الطبية والإكلينيكية، وأعيد المشروع إلى البرلمان لمراجعة المواد محل الاعتراض.

 

ثم استخدم الإجراء نفسه في 2025 مع مشروع قانون الإجراءات الجنائية، عندما اعترض على ثماني مواد وأعيدت إلى المجلس، وشُكلت لجنة خاصة لدراستها قبل إقرار تعديلات جديدة.

 

وبذلك يصبح اعتراضه على مشروع قانون جامعة كيان الحالة الثالثة خلال عهده التي يعاد فيها مشروع قانون إلى مجلس النواب بعد إقراره لمراجعة مواد محددة.

 

لكن خصوصية الحالة الحالية تكمن في أن الاعتراض يتعلق مباشرة بأموال ومكافآت يحصل عليها الطلاب، بينما يستند التبرير الرسمي إلى مبدأ المساواة، وهو ما فتح المقارنة مع مجالات أخرى ترتبط بالمؤسسة العسكرية.

 

 

هل المساواة معيار شامل؟

 

وفي النهاية، لا تقف القضية عند سؤال: لماذا ألغيت مكافأة الطالب؟ وإنما تمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بالمعيار الذي استُخدم لتبرير الاعتراض.

 

فإذا كانت المساواة هي الأساس الذي يستند إليه السيسي في الاعتراض على منح مزايا مالية لفئة من طلاب جامعة كيان، فإن النقاش ينتقل تلقائيًا إلى مدى تطبيق المعيار نفسه على الامتيازات الاقتصادية والتنظيمية التي تحصل عليها المؤسسات والشركات التابعة للدولة والقوات المسلحة.

 

ويصبح السؤال الأكثر وضوحًا: هل يجري التعامل مع المساواة باعتبارها قاعدة عامة في إدارة المال والامتيازات، أم أنها تظهر بقوة عندما يتعلق الأمر بمكافأة طالب ثم تصبح أكثر تعقيدًا عندما تتعلق بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية؟

 

ولهذا فإن قصة جامعة كيان ليست مجرد مادة حذفت أو مكافأة أوقفت، وإنما اختبار لاتساق الخطاب الرسمي نفسه؛ فإذا كانت المساواة سببًا كافيًا لمراجعة بضعة آلاف يحصل عليها طالب، فمن الطبيعي أن يظل السؤال قائمًا بشأن المعاملة الخاصة التي توثقها تقارير دولية لكيانات اقتصادية أكبر بكثير.