استعاد جيل حرب أكتوبر في السادس من أكتوبر 1973 المبادرة العسكرية بعد ست سنوات من احتلال سيناء، فعبر الجنود قناة السويس واقتحموا خط بارليف ودفعوا ثمن استرداد الأرض من دمائهم، لتفتح الحرب الطريق أمام استعادة سيناء كاملة خلال السنوات التالية.

 

وبعد أكثر من أربعة عقود، عادت قضية الأرض والسيادة إلى قلب الجدل المصري من بوابة مختلفة تمامًا، عندما وقّع قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، التي انتهت ببيع جزيرتي تيران وصنافير إلى المملكة السعودية، في واحدة من أكثر القضايا التي فجرت غضبًا واعتراضات داخل مصر.

 

وبين المشهدين تبدو المفارقة قاسية؛ ففي أكتوبر كانت الدولة تحشد الجيش والسلاح والموارد لاستعادة أرض احتلتها إسرائيل، بينما شهد عام 2017 توقيع التصديق النهائي على اتفاقية نقل السيادة على جزيرتين ظلتا لعقود تحت الإدارة والسيطرة المصرية، وهو ما اعتبره قطاع واسع من المصريين تفريطًا في أرض مرتبطة بالسيادة والأمن القومي.

 

ولذلك لا تمر الذكرى الـ53 لحرب أكتوبر باعتبارها احتفالًا عسكريًا فقط، بل تستدعي سؤالًا أكثر إلحاحًا عن معنى الأرض في الوعي المصري، وكيف انتقلت البلاد من زمن كان فيه تحرير التراب الوطني قضية حرب وتضحيات إلى زمن أصبحت فيه قضية تيران وصنافير محل اتفاق لبيع التراب المصري مقابل المليارات التي دخلت مصر لدعم انقلاب السيسي.

 

 

أكتوبر حين كانت الأرض قضية

 

دخلت مصر حرب أكتوبر وهي تحمل آثار هزيمة يونيو 1967 واحتلال إسرائيل شبه جزيرة سيناء، بعدما أصبحت استعادة الأرض الهدف الأكبر للدولة والقوات المسلحة خلال سنوات إعادة البناء والاستعداد للمواجهة.

 

وفي السادس من أكتوبر 1973، الموافق العاشر من رمضان 1393 هجرية، بدأت القوات المصرية هجومها عند الثانية ظهرًا، بضربة جوية واسعة أعقبها قصف مدفعي وعبور آلاف الجنود قناة السويس باتجاه مواقع الجيش الإسرائيلي.

 

كما نجحت القوات المصرية في اختراق خط بارليف وإقامة رؤوس جسور شرقي القناة، ونقل القوات والمعدات والدبابات إلى سيناء، في عملية غيرت الموقف العسكري الذي فرضته إسرائيل منذ هزيمة يونيو.

 

ولم تكن مشاهد العبور مجرد انتصار عسكري محدود، فقد أعادت للمصريين الثقة في قدرتهم على القتال من أجل أرضهم، وفتحت الحرب مسارًا عسكريًا وسياسيًا انتهى لاحقًا بانسحاب إسرائيل من بقية سيناء على مراحل.

 

ثم استمرت معركة استكمال السيادة المصرية حتى استعادة طابا ورفع العلم المصري عليها عام 1989، لتصبح الأرض في الذاكرة المرتبطة بأكتوبر شيئًا لا ينفصل عن التضحيات والدماء والمفاوضات الطويلة.

 

 

تيران وصنافير تقلب الصورة

 

لكن هذه الصورة التاريخية اصطدمت بعد عقود بقضية تيران وصنافير، عندما وقعت مصر والسعودية في 8 أبريل 2016 اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وهي الاتفاقية التي وضعت الجزيرتين داخل الحدود السعودية.

 

وأثار الاتفاق منذ لحظة الإعلان عنه اعتراضات سياسية وشعبية واسعة، وخرجت احتجاجات ترفض نقل الجزيرتين، بينما دخل الملف ساحات المحاكم في معركة امتدت بين أحكام متعارضة بشأن الاتفاقية واختصاص الجهات القضائية بنظرها.

 

وفي يناير 2017، أيدت المحكمة الإدارية العليا حكمًا سابقًا ببطلان الاتفاقية، قبل أن يستمر المسار السياسي والقانوني، ويوافق مجلس النواب في 14 يونيو من العام نفسه على اتفاق ترسيم الحدود.

 

وبعد عشرة أيام فقط، صدّق عبد الفتاح السيسي على الاتفاقية، قبل أن تدخل حيز التنفيذ في 2 يوليو 2017 وفق بيانات تسجيل الاتفاق لدى الأمم المتحدة، وبذلك انتقلت السيادة القانونية على الجزيرتين إلى السعودية بموجب الاتفاق.

 

أما الحكومة فتمسكت بأن الجزيرتين سعوديتان أصلًا وأن وجودهما تحت الإدارة المصرية لم يكن دليلًا على السيادة، بينما رفض معارضو الاتفاق هذه الرواية وتمسكوا بمصريتهما، وتحولت القضية إلى مواجهة مباشرة حول معنى الأرض وحدود سلطة الحكم في تقرير مصيرها.

 

 

معارضو الاتفاق دفعوا الثمن

 

ولم يقتصر الخلاف على قاعات البرلمان والمحاكم، إذ واجه المحتجون على الاتفاقية حملات توقيف ومحاكمات، بعدما تحولت تيران وصنافير إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة للسلطة.

 

فقد صدرت أحكام بالسجن بحق عشرات المشاركين في احتجاجات رفض نقل الجزيرتين، ووثقت منظمات حقوقية محاكمة أكثر من 150 شخصًا على خلفية احتجاجات وقعت خلال أبريل 2016، قبل إلغاء أو تعديل عدد من الأحكام لاحقًا.

 

كما تحولت القضية إلى رمز سياسي أوسع من مساحة الجزيرتين نفسيهما، لأن المعترضين رأوا أن النقاش لم يعد متعلقًا بخطوط ترسيم بحرية فقط، بل بسلطة الدولة في التصرف في أرض اعتاد المصريون النظر إليها باعتبارها جزءًا من حدود بلادهم.

 

وهنا تصبح مقارنة تيران وصنافير بأكتوبر أكثر قسوة؛ فجيل كامل تربى على أن الأرض لا تسترد إلا بالدم والتضحية شاهد بعد عقود اتفاقًا رسميًا ينقل السيادة على جزيرتين استقرتا طويلًا تحت الإدارة المصرية.

 

 

من دم الجنود إلى توقيع الاتفاق

 

في أكتوبر 1973، كان الجندي المصري يعبر قناة السويس تحت القصف حتى يستعيد موطئ قدم فوق سيناء المحتلة، وكانت صور رفع العلم على الضفة الشرقية عنوانًا لاستعادة أرض فُقدت بالقوة.

 

أما في قضية تيران وصنافير، فلم تكن هناك قوة احتلال تنتزع الأرض، وإنما اتفاقية وقعتها السلطة التنفيذية ووافق عليها البرلمان وصدق عليها السيسي، لينتهي المسار بنقل السيادة على الجزيرتين إلى السعودية.

 

وهذا الاختلاف هو الذي يجعل ذكرى أكتوبر اليوم تحمل سؤالًا يتجاوز الاحتفالات والخطب الرسمية، لأن تمجيد من ضحوا من أجل كل شبر من الأرض يفقد كثيرًا من معناه إذا لم يصاحبه معيار صارم في التعامل مع قضايا السيادة والحدود.

 

ولا يمكن فصل غضب قطاع من المصريين من اتفاقية تيران وصنافير عن هذه الذاكرة، فالمجتمع الذي ظل يسمع لعقود عن بطولات استعادة سيناء وطابا وجد نفسه أمام قرار حدودي اعتبره معارضوه تنازلًا لا يمكن تبريره بحسابات العلاقات والتحالفات السياسية.

 

 

أكتوبر يفضح تناقض خطاب السيادة

 

وبعد 53 عامًا على الحرب، لا تزال صور الجنود فوق خط بارليف قادرة على فضح المسافة بين الشعارات والممارسة؛ فالأرض التي تحولت في أكتوبر إلى معركة وطنية كبرى أصبحت في تيران وصنافير موضوع اتفاق وقّعه السيسي رغم الاحتجاجات والأحكام القضائية التي سبقت التصديق عليه.

 

كما أن استدعاء حرب أكتوبر في الخطاب الرسمي كل عام يفتح تلقائيًا ملف تيران وصنافير، لأن الحديث عن حماية الحدود والسيادة لا يمكن عزله عن قرار اتخذته السلطة نفسها وأدى قانونيًا إلى انتقال السيادة على الجزيرتين.

 

وتبقى المفارقة الأشد أن المصريين الذين يحتفلون بجيل قاتل لاسترداد سيناء يتذكرون في الوقت نفسه أن اتفاق تيران وصنافير لم يُفرض على مصر بعد هزيمة عسكرية، وإنما جرى توقيعه وتمريره والتصديق عليه من العسكر الذين خانوا الوطن.

 

ولهذا لا تقتصر ذكرى السادس من أكتوبر على الحنين إلى نصر عسكري مضى، بل تظل معيارًا لمحاسبة كل سلطة على طريقة تعاملها مع الأرض؛ لأن من ضحوا في سيناء رسخوا في الوعي المصري أن السيادة ليست شعارًا احتفاليًا يرفع مرة كل عام، وإنما مسؤولية لا تقبل التعامل معها باعتبارها ملفًا سياسيًا عابرًا يتباهى به من خان وباع الأرض.