اتهمت سلطات ولاية النيل الأزرق قوات الدعم السريع باستهداف منزل حاكم الولاية وأعيان مدنية في مدينة الدمازين بطائرات مسيرة، في هجوم يضيف تهديدًا جديدًا للسكان وسط استمرار الحرب واتساع كلفتها الإنسانية.

 

وتتصاعد مأساة المدنيين مع سقوط 10 قتلى على الأقل وعشرات الجرحى في هجومين بمسيرتين على سكن جامعي ومركز لإيواء النازحين بمدينة الأبيض، حيث تطال النيران أماكن يفترض أن توفر الحماية لساكنيها.

 

 

مسيرات تستهدف الدمازين ومنزل الحاكم

 

ففي بيان أعلنته السلطات السودانية السبت، قال حاكم ولاية النيل الأزرق أحمد العمدة إن قوات الدعم السريع استهدفت منزله وبعض الأعيان المدنية، مستخدمة طائرات مسيرة انتحارية فوق مدينة الدمازين، عاصمة الولاية.

 

وأضاف البيان أن قوات الدفاع الجوي تصدت للهجوم، لكنه لم يقدم تفاصيل عن حصيلة بشرية أو حجم الأضرار المادية، لتبقى تداعيات الاستهداف غير محددة في المعلومات التي أتاحتها سلطات الولاية.

 

وفي تعليقه على الهجوم، أكد العمدة أن الاستهداف لن يثنيه عن مواصلة القتال والدفاع عن الوطن، مجددًا التمسك بمواجهة قوات الدعم السريع، التي وصفها في بيانه بالتمرد والعدوان على السودان.

 

وفي المقابل، لم يصدر تعليق فوري من قوات الدعم السريع على اتهامات سلطات النيل الأزرق، وهو ما يبقي تحديد مسؤوليتها عن هجوم الدمازين مستندًا إلى الرواية الرسمية التي أعلنها حاكم الولاية.

 

وبين إعلان التصدي للهجوم وغياب تفاصيل تداعياته، تظل سلامة السكان السؤال الأهم، إذ لا يقدم البيان معلومات تسمح بتحديد ما إذا كان استهداف الأعيان المدنية قد أوقع إصابات أو تسبب في خسائر.

 

كما أن ورود منزل الحاكم ضمن المواقع المستهدفة لا يلغي خطورة الحديث عن أعيان مدنية أخرى، فالمسؤولية عن حماية السكان لا تنحصر في تأمين المسؤولين، بينما تبقى بقية المدينة معرضة للخطر.

 

ومع ذلك، لا تتيح المعلومات المعلنة تحديد طبيعة المنشآت المدنية التي استهدفتها المسيرات في الدمازين، ولا عدد الطائرات المستخدمة، ما يستدعي الفصل بين الاتهامات الواردة في البيان والتفاصيل التي لم تُعلن.

 

 

منازل المدنيين تنزف في الأبيض

 

وفي مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، حملت إفادات طبية وحقوقية وحكومية حصيلة دامية لهجومين منفصلين خلال الأسبوع، استهدفا سكنًا جامعيًا ومركزًا لإيواء النازحين، وأسفرا عن مقتل 10 أشخاص على الأقل.

 

فقد أعلنت منظمة «محامو الطوارئ»، المعنية بتوثيق انتهاكات الحرب، أن طائرة مسيرة استهدفت مساء 30 سبتمبر داخلية جامعة كردفان، وأوقعت خمسة قتلى و47 مصابًا، وفق المعلومات الأولية التي أوردتها المنظمة.

 

ولم تحدد المنظمة الجهة المسؤولة عن استهداف السكن الجامعي، ولذلك لا يمكن إلحاق هذا الهجوم تلقائيًا باتهامات تخص وقائع أخرى، رغم وقوعه في سياق التصعيد العسكري نفسه الذي تشهده شمال كردفان.

 

وفي اليوم التالي، تعرض مركز لإيواء النازحين داخل الأبيض لهجوم بمسيرة، ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة 13 آخرين، وفق إفادتي مسؤول حكومي بالولاية ومصدر طبي في مستشفى محلي.

 

واتهم المصدر الحكومي قوات الدعم السريع بإطلاق المسيرة التي أصابت مركز الإيواء، موضحًا أن المقيمين فيه نزحوا إلى المدينة من مناطق مختلفة في كردفان، بحثًا عن مأوى بعيد عن مناطق القتال.

 

ومن جانبه، أكد المصدر الطبي وصول خمسة قتلى و13 جريحًا إلى المستشفى، موضحًا أنهم جميعًا من النازحين، في حصيلة تجسد فداحة استهداف مكان لجأ إليه أشخاص بعدما غادروا مناطقهم هربًا من الحرب.

 

وبجمع الحصيلتين الواردتين، يبلغ عدد المصابين في الهجومين 60 شخصًا، إلى جانب القتلى العشرة على الأقل، مع بقاء حصيلة استهداف السكن الجامعي أولية كما وصفتها المنظمة الحقوقية في إفادتها عن الواقعة.

 

وهكذا، تحول السكن الجامعي ومركز الإيواء إلى موقعين لسقوط الضحايا، في مشهد يضع حياة المدنيين تحت رحمة المسيرات، ويجعل البحث عن الأمان داخل المدينة محاطًا بمخاطر لا يملك النازحون وسائل ردعها.

 

 

كلفة المسيرات تتجاوز ساحات القتال

 

وفي خلفية هذه الهجمات، يتواصل التصعيد العسكري بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في شمال كردفان، حيث تتمتع مدينة الأبيض بأهمية استراتيجية نابعة من موقعها الذي يربط وسط السودان بغربه.

 

غير أن أهمية المدينة في حسابات الطرفين لا تقلل من فداحة سقوط الضحايا داخل منشآت مدنية، ولا تجعل معاناة النازحين تفصيلًا ثانويًا يمكن تجاوزه وسط البيانات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن المسؤولية.

 

وبالتوازي، تسيطر الهجمات بالطائرات المسيرة على مجريات المعارك، وقد أوقعت أكثر من 1100 قتيل خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، وفق بيانات الأمم المتحدة الواردة ضمن المعلومات عن تصاعد استخدامها.

 

وتمنح هذه الحصيلة صورة عن الكلفة البشرية للهجمات، لكنها لا تمثل عدد ضحايا العام كاملًا، كما لا تسمح وحدها بتوزيع المسؤولية عن كل واقعة، التي تحتاج إلى توثيق مستقل لظروفها والجهة المنفذة.

 

أما في الوقائع الأخيرة، فتختلف مصادر الاتهام بوضوح؛ إذ نسبت سلطات النيل الأزرق هجوم الدمازين إلى الدعم السريع، ونسب مصدر حكومي إليها استهداف مركز النازحين، بينما لم تحدد المنظمة منفذ هجوم الجامعة.

 

ومع هذا التفاوت في المعلومات، يبقى الجامع بين الوقائع وصول المسيرات إلى مواقع مدنية، بما يضاعف القلق على السكان ويبرز الحاجة إلى معلومات واضحة عن الضحايا والأضرار، بعيدًا عن الاكتفاء بخطابات المواجهة.

 

وفي نهاية المشهد، لا تختصر مأساة السودان في منزل مسؤول تعرض للاستهداف، بل تمتد إلى نازحين فقدوا الأمان مجددًا وضحايا داخل سكن جامعي، فيما تظل حماية المدنيين امتحانًا لا تجيب عنه تصريحات القتال.