تستعد الحكومة لاستئناف تصدير الغاز الطبيعي المسال من مجمع إدكو ابتداءً من أكتوبر، عبر برنامج جديد مع شل وبتروناس، بينما يظل الإنتاج المحلي أدنى بكثير من الاستهلاك وتستمر البلاد في شراء شحنات مرتفعة التكلفة من الخارج.
وتضع العودة إلى التصدير معادلة شديدة الحساسية أمام سوق الطاقة، لأن كل شحنة تغادر إدكو تأتي في وقت تعتمد فيه الشبكة المحلية على واردات مسالة وغاز عبر الأنابيب لسد فجوة يومية تتسع بقوة خلال الصيف.
تصدير يعود فوق فجوة محلية
وفي هذا السياق، يرى الدكتور حافظ سلماوي، أستاذ هندسة الطاقة بجامعة الزقازيق، والذي سبق أن تولى الإدارة التنفيذية لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، أن إدارة الغاز تحتاج توقعات دقيقة للاستهلاك وسعة تخزين تسمح بالشراء والبيع في التوقيت الأنسب.
ووفق أحدث التقديرات المتداولة، يدور إنتاج الغاز المحلي حول 3.8 مليارات قدم مكعبة يوميًا، مقابل استهلاك يقارب 6.5 مليارات في الأيام العادية، ويرتفع إلى نحو 7.5 مليارات خلال ذروة الصيف.
وفي المقابل، يعني هذا الفارق أن السوق المحلية تحتاج بين 2.7 و3.7 مليارات قدم مكعبة يوميًا من المصادر الخارجية أو الإمدادات الإضافية، وهي فجوة لا يغيرها وجود طاقة إسالة كبيرة على ساحل المتوسط.
ومن جهة أخرى، أظهرت بيانات عام 2025 أن مصر استوردت مستوى قياسيًا من الغاز المسال بلغ نحو 9.01 ملايين طن عبر 129 شحنة، بعد تحول ميزان الغاز بعيدًا عن وضع المصدر الصافي السابق.
كذلك، ارتفعت واردات الغاز المسال خلال الربع الأول من 2026 بقوة، فيما أشارت تقديرات دولية إلى أن الاعتماد على الاستيراد سيظل مرتفعًا بسبب ضعف الإضافات المحلية واستمرار احتياجات الكهرباء والصناعة.
أما مجمع إدكو، فيمتلك خطي إسالة بطاقة إجمالية تقارب 7.2 ملايين طن سنويًا، ما يجعله أصلًا تصديريًا ضخمًا، لكن قدرته الفنية لا تعني بالضرورة توافر غاز محلي فائض يكفي لتشغيلها.
وبالتوازي، اتفقت شل وبتروناس على استئناف الشحن من أكتوبر، بينما يجري استكمال عدد الشحنات والكميات، على أن تدور حمولة الشحنة الواحدة حول 150 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال.
وعلى الجانب الرسمي، تُقدَّم الصادرات باعتبارها وسيلة للوفاء بالتزامات الشركاء وتحفيز الاستثمارات الجديدة وتعظيم الاستفادة من مصانع الإسالة، وهي أهداف ترتبط باستمرار الشركات في الحفر والإنتاج وتوظيف البنية التحتية القائمة.
لكن استمرار التصدير بالتزامن مع عجز محلي واسع يجعل المعيار الاقتصادي أكثر صرامة، إذ يصبح المطلوب مقارنة حصيلة الشحنات المصدرة بكلفة الغاز المستورد وبأثر أي نقص محتمل على الكهرباء والمصانع.
فاتورة الاستيراد تلتهم العائد الدولاري
وفي هذا الإطار، قال الدكتور مدحت نافع، خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل، إن أزمة الطاقة ترتبط بضعف تخطيط مزيج الطاقة والاعتماد الكبير على الغاز، خصوصًا مع تراجع الإنتاج واللجوء إلى الغاز المسال بأسعار عالمية.
ووفق تصريحات رسمية في نهاية أغسطس، قفزت كلفة شحنة الغاز المسال المستوردة إلى نحو 80 مليون دولار بعد الحرب الإقليمية، مقابل قرابة 40 مليونًا قبلها، ما ضاعف عبء تأمين الوقود.
وفوق ذلك، تشير تقديرات منشورة إلى أن فاتورة استيراد الغاز قد تصل إلى نحو 10.7 مليارات دولار خلال السنة المالية 2026-2027، مع اتساع الاعتماد على الغاز المسال والإمدادات الواردة عبر الأنابيب.
كما أفادت وكالة الطاقة الدولية بأن فاتورة واردات الطاقة الشهرية تضاعفت منذ بداية الصراع، بينما قاربت فاتورة استيراد الغاز ثلاثة أمثال مستوياتها السابقة، مع زيادة الضغط الناتج عن تراجع العملة المحلية.
ومن ثم، لا يمكن قياس جدوى التصدير بحجم الدولارات الداخلة من الشحنة وحده، لأن الاقتصاد يدفع في الوقت نفسه تكلفة شراء غاز بديل ونقله وإعادة تغييزه ثم ضخه إلى الشبكة.
وفي الوقت نفسه، قد تختلف المعادلة من شحنة إلى أخرى تبعًا للسعر التعاقدي وملكية الغاز وحقوق الشركاء وتوقيت البيع، وهي تفاصيل حاسمة لا تزال غير معلنة بالكامل في البرنامج الجديد.
ولهذا، فإن غياب إعلان واضح حتى الآن عن عدد الشحنات المقررة وأسعارها وآلية تخصيص الغاز يجعل الحكم على صافي العائد المالي محدودًا، خصوصًا مع تغير أسعار الغاز سريعًا في الأسواق الدولية.
وفي المقابل، ترى الوزارة أن استمرار حركة التصدير يساعد في الحفاظ على ثقة الشركاء الأجانب وتشجيعهم على زيادة الاستثمار، بينما يبقى نجاح هذه الحجة مرتبطًا بارتفاع الإنتاج الفعلي لا بمجرد استمرار الشحن.
وبالنتيجة، يصبح السؤال المركزي متعلقًا بما إذا كانت الدولارات المحصلة من التصدير تتجاوز كلفة الاستيراد الإضافية والمخاطر التشغيلية، أم أن النشاط يحافظ على العقود والبنية التحتية بينما تتحمل الموازنة فارقًا أكبر.
موسمية الشتاء لا تلغي العجز
وفي هذا الجانب، وصفت كارول إتيان، محللة الغاز في وكالة الطاقة الدولية، توسع مصر في استقدام وحدات إعادة التغييز بأنه تحرك غير مسبوق، وربطت الطلب المصري الفوري بزيادة تقلبات سوق الغاز المسال.
ومع حلول الشتاء، ينخفض استهلاك محطات الكهرباء مقارنة بالصيف، ما يتيح مساحة تشغيلية أكبر لمصانع الإسالة، إلا أن انخفاض الطلب الموسمي لا يبدل حقيقة أن الإنتاج المحلي ما زال دون الاستهلاك المعتاد.
وفي البرنامج السابق، سُمح لشركتي شل وبتروناس بتصدير ما يصل إلى سبع شحنات خلال أشهر الشتاء، مستفيدتين من تراجع الاستهلاك، قبل الاتجاه إلى إعادة ترتيب برنامج مماثل يبدأ في أكتوبر.
ومع ذلك، فإن سبع شحنات بحمولة تقارب 150 ألف متر مكعب لكل منها تعني حركة تصدير ملموسة في سوق تعاني عجزًا مستمرًا، ما يرفع أهمية الإفصاح عن مصدر الغاز المخصص لكل شحنة.
ومن ناحية أخرى، لا يعني التزامن بين الاستيراد والتصدير أن الشحنة المستوردة نفسها يعاد تصديرها، لكنه يعني أن الدولة تدير في وقت واحد مسارين متعاكسين ضمن ميزان طاقة يعاني نقصًا هيكليًا.
كذلك، أظهرت بيانات حديثة أن الإنتاج المحلي استأنف التراجع خلال 2026 رغم دخول آبار جديدة، بينما رفعت مؤسسات متخصصة توقعاتها لاحتياجات مصر من الغاز المسال مع استمرار ضعف الإمدادات المحلية.
وفي الأفق المتوسط، تراهن الحكومة على ربط حقول غاز قبرص بالبنية التحتية المصرية وإعادة التصدير عبر منشآت الإسالة، لكن هذه المشروعات تحتاج سنوات قبل أن تتحول إلى كميات تجارية تغير الموقف الحالي.
وفي المقابل، يظل أي تحسن مستدام مرهونًا بزيادة إنتاج الحقول المحلية وتقليص الاعتماد على السوق الفورية، لأن استمرار شراء الغاز بأسعار مرتفعة ثم تصدير شحنات محدودة لا يعالج أصل العجز.
وأخيرًا، تضع عودة إدكو إلى التصدير سياسة الغاز أمام اختبار حسابي واضح: حجم ما سيخرج، وسعر ما سيباع، وكلفة ما سيستورد، ومدى قدرة الإنتاج المحلي على تقليص الفجوة دون تحميل السوق أعباء إضافية.

