تضع تصريحات وزير العمل حسن رداد ملف الهجرة غير النظامية أمام سؤال يتجاوز حملات التوعية، بعدما ربطت الوزارة المواجهة بالتشغيل والتدريب وفتح مسارات قانونية للعمل، باعتبار البدائل الاقتصادية خط الدفاع الأول أمام رحلات الهجرة الخطرة.

 

وتعيد تصريحات رداد، خلال لقائه السفير عمرو رمضان يوم 25 سبتمبر 2026، الاعتراف رسميًا بأن إغلاق طرق الهجرة لا يكفي، وأن بقاء الشباب دون دخل مستقر يترك الباب مفتوحًا أمام السماسرة وطرق السفر غير النظامية.

 

 

التدريب وحده لا يصنع وظائف

 

فبينما ترفع الوزارة شعار «التدريب من أجل التشغيل»، تظل المشكلة الأثقل في قدرة الاقتصاد نفسه على توليد وظائف مستقرة، لأن الشاب لا يحتاج شهادة تدريب جديدة بقدر حاجته إلى فرصة بأجر يحميه من الفقر.

 

وفي المقابل، تظهر بيانات الربع الثاني من 2026 انخفاض البطالة إلى 5.8%، لكن النسبة ترتفع إلى 8.8% في الحضر و14.4% بين النساء، وهي فجوات يصعب اختزالها في خطاب التحسن العام.

 

ومن جهة أخرى، بلغ عدد المتعطلين نحو 2.08 مليون شخص خلال الفترة نفسها، بينما صعدت قوة العمل إلى 35.64 مليونًا، ما يعني أن أي تباطؤ في خلق الوظائف يمكن أن يعيد الضغط سريعًا إلى السوق.

 

وفي هذا السياق، يلفت راغي أسعد، أستاذ السياسات العامة والسياسة الاقتصادية الدولية بجامعة مينيسوتا والمتخصص في سوق العمل المصري، إلى أن تراجع البطالة لا يعني بالضرورة تحسن فرص العمل إذا تراجعت المشاركة الاقتصادية.

 

وبحسب أبحاثه مع كارولين كرافت وآخرين، فإن انخفاض البطالة في مصر خلال فترات سابقة ارتبط جزئيًا بخروج أفراد من قوة العمل، لا بانتقال واسع إلى وظائف جيدة ومنتجة، ما يضع حدودًا لتفسير الرقم منفردًا.

 

وعلاوة على ذلك، سجلت بطالة الشباب بين 15 و29 عامًا 13.2% خلال 2025، وارتفعت بين الشابات إلى 33.8%، بينما وصلت بين الحاصلات على مؤهلات إلى مستويات أعلى، بما يعكس اختناقًا واضحًا عند بوابة الدخول للعمل.

 

وبالتالي، فإن تحويل التدريب إلى أداة فعلية لمواجهة الهجرة يحتاج عقود عمل وأجورًا قابلة للحياة وتأمينًا اجتماعيًا ومسارًا للترقي، لا دورات تنتهي بشهادة جديدة تضاف إلى ملفات شباب ينتظرون فرصة لا تصل.

 

 

أرقام البطالة تخفي فجوات أوسع

 

فمن ناحية أخرى، لا تبدو أزمة التشغيل مسألة عدد وظائف فقط، بل نوعيتها أيضًا، خصوصًا مع اتساع العمل غير الرسمي وتراجع الأمان الوظيفي، وهو ما يجعل الوظيفة الهشة أقل قدرة على إقناع الشباب بالبقاء.

 

وفي هذا الملف، تقول أميرة الحداد، أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة والباحثة في الاقتصاد الصناعي والعمل غير الرسمي، إن الصناعة المصرية تواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في ضعف خلق الوظائف واستمرار الاعتماد الواسع على التشغيل غير الرسمي.

 

وبالاستناد إلى دراسة شاركت فيها خلال 2026، يرتبط خلق فرص العمل في الصناعة بالتصدير والابتكار والتدريب والمناطق الصناعية والإدارة الأكثر تأهيلًا، بينما يظل التشغيل غير الرسمي أكثر انتشارًا داخل قطاعات واسعة من القطاع الخاص.

 

وفي الوقت نفسه، ترى الدراسة أن زيادة الوظائف الرسمية لا تتحقق بمجرد تشديد الرقابة على الشركات، بل تحتاج بيئة اقتصادية أوسع تعيد تشكيل الحوافز أمام أصحاب الأعمال والعاملين، وهي مهمة تتجاوز برامج التدريب وحدها.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح الحديث عن تأهيل الشباب ناقصًا إذا لم يصاحبه توسع صناعي قادر على الامتصاص، لأن سوقًا يضيف وظائف منخفضة الأجر أو بلا حماية قانونية قد يدفع العامل نفسه للبحث عن مخرج خارجي.

 

كذلك، تُظهر بيانات 2025 أن 20.6% من المشتغلين كانوا يعملون لحسابهم الخاص، بينما بلغ العاملون في مشروعات أسرية بلا أجر 5.9%، وهي صورة تؤكد أن وجود عمل لا يعني دائمًا وظيفة مستقرة.

 

وفي المقابل، تستهدف الاستراتيجية الوطنية للتشغيل التي أعلنتها الوزارة خلق نحو 1.4 مليون فرصة سنويًا، لكن تحقيق هذا الرقم يظل مرتبطًا بنمو استثمارات إنتاجية قادرة على خلق وظائف منتظمة وليست أعمالًا موسمية أو هامشية.

 

ومن ثم، فإن اختبار السياسة ليس عدد المتدربين ولا عدد ملتقيات التوظيف، بل عدد العقود المستقرة التي يحصل عليها الشباب فعلًا، ومستوى الأجر، واستمرار الوظيفة، وقدرتها على مواجهة تكاليف المعيشة المتصاعدة.

 

 

الهجرة تبدأ من جودة العمل

 

فأما ملف الهجرة نفسه، فتشير دراسات إلى أن البطالة والعمل غير الرسمي ونقص الوظائف الجيدة عوامل تدفع للهجرة، وأن شبكات المهاجرين السابقة تزيد قابلية تحويل الرغبة إلى رحلة فعلية خارج البلاد.

 

وفي هذا الإطار، يشرح إبراهيم عوض، أستاذ الشؤون العالمية ومدير مركز دراسات الهجرة واللاجئين بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن سياسات الهجرة المصرية ارتبطت تاريخيًا بتخفيف الضغط عن سوق العمل والاستفادة من التحويلات.

 

وبحسب تحليله للاقتصاد السياسي للهجرة المصرية إلى أوروبا، تعاونت القاهرة مع الاتحاد الأوروبي في الحد من الهجرة غير النظامية، بينما ظلت فرص الهجرة القانونية وقضايا سوق العمل جزءًا أساسيًا من المعادلة وليست ملفًا أمنيًا منفصلًا.

 

وفي الاتجاه نفسه، تؤكد منظمة العمل الدولية أن معالجة جذور الهجرة غير النظامية في مصر تحتاج تعزيز قابلية التشغيل والفرص الاقتصادية، وقد وجهت برامجها دعمًا لآلاف الشباب والفئات الهشة في محافظات تشهد ضغوطًا للهجرة.

 

وبذلك، فإن التوعية بمخاطر البحر أو عصابات التهريب تصبح محدودة الأثر إذا عاد الشاب بعد الندوة إلى البطالة أو إلى وظيفة بأجر لا يغطي احتياجاته، بينما يرى أمامه فارقًا واسعًا في الدخول والفرص.

 

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الوزارة تحركت لتطوير مراكز التدريب وتنظيم السفر القانوني وإعداد برنامج للعمل اللائق بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، وهي خطوات يمكن قياس قيمتها عندما تتحول إلى نتائج قابلة للقياس.

 

وعلى الجانب الآخر، يظل المعيار الأكثر صرامة هو قدرة هذه السياسات على خفض بطالة الشباب والنساء، وتقليص العمل غير الرسمي، ورفع الأجور الحقيقية، ومنح العامل حماية تجعل البقاء خيارًا اقتصاديًا معقولًا لا تضحية قسرية.

 

وأخيرًا، فإن الهجرة غير النظامية لن تتراجع بخطاب إداري وحده، لأن القرار يبدأ من منزل يبحث عن دخل مستقر وشاب يقارن بين سنوات الانتظار وفرصة السفر، ولو كانت خطرة، وبين سوق لا يمنحه أفقًا واضحًا.

 

وفي النهاية، تضع تصريحات وزارة العمل يدها على جوهر الأزمة حين تربط الهجرة بالتشغيل، لكن نجاح هذا الربط سيُقاس بالوظائف اللائقة التي تصل إلى الشباب فعليًا، لا بعدد الوعود أو الدورات أو البيانات الرسمية.