تواجه مدرسة الشهيد أحمد عمارة للتعليم الأساسي بقرية كمشيش في المنوفية وضعًا بالغ الخطورة، بعدما تحوّل فناء يمر به آلاف التلاميذ إلى مساحة محاصرة بالأنقاض والكتل الخرسانية الناتجة عن أعمال هدم مجاورة.

 

وفي الوقت نفسه، تضع استغاثة مجلس الأمناء سلامة 3850 تلميذًا وتلميذة أمام اختبار مباشر لفاعلية الرقابة، بعدما تحولت التحذيرات من الخطر إلى مطالب عاجلة بإزالة الركام وتأمين المدرسة قبل وقوع إصابات.

 

 

أنقاض الهدم تحاصر فناء المدرسة

 

ففي المدرسة الإعدادية وفصول الابتدائي بنين الملحقة عليها، تتكدس أعداد كبيرة من الطلاب داخل مساحة تعليمية يفترض أن تكون آمنة، بينما يحتل الركام جزءًا من الفناء ومحيط المبنى ويضيّق مسارات الحركة اليومية.

 

وبحسب ما أورده مجلس الأمناء، جاءت الأنقاض من أعمال هدم وبناء مدرسة كمشيش الابتدائية بنات المجاورة، فيما بقيت مخلفات ثقيلة وغير مستقرة قرب مناطق يتحرك فيها التلاميذ أثناء الدخول والخروج والفسحة.

 

كما حمّل أحمد رجب، عضو مجلس أمناء المدرسة، استمرار المشهد خطورة إضافية، مؤكدًا أن الكتل الخرسانية قد تتحول إلى مصدر إصابة مباشر إذا انهار جزء منها فوق الأطفال أو سقط خلال ساعات الزحام.

 

وفي المقابل، لا تقف القضية عند حدود مخالفة شكلية داخل موقع إنشاء، لأن المدرسة تضم آلاف الأطفال، ما يجعل أي تأخير في إزالة المخلفات قرارًا ذا أثر مباشر على السلامة الجسدية والعملية التعليمية.

 

ومن زاوية تربوية، قال الدكتور عاصم عبد المجيد حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، في حديث عن المباني المدرسية، إن اشتراطاتها تستهدف بيئة آمنة وصحية، وإن تراجع المعايير ينعكس مباشرة على الطلاب.

 

ولهذا، فإن إبقاء فناء مدرسة مكتظة بجوار أكوام هدم لا ينسجم مع مفهوم البيئة التعليمية الآمنة التي تحدث عنها حجازي، خصوصًا حين تصبح الحركة واللعب والوصول إلى الفصول مرتبطة بمساحات ضيقة ومهددة بالمخاطر.

 

وبالتالي، لا تبدو المطالبة بإزالة الركام إجراءً تجميليًا أو مؤجلًا، بل خطوة أولى لازمة لاستعادة المساحة المدرسية لوظيفتها الطبيعية، ومنع تحول موقع إنشاء مجاور إلى تهديد يومي لتلاميذ لا يملكون تجنب المرور بالقرب منه.

 

 

معاينات رسمية بلا إزالة فورية

 

ومن جهة أخرى، أفاد مجلس الأمناء بأن لجنة رسمية عاينت الموقع، وضمت مسؤولين من الأبنية التعليمية في المنوفية وتلا والوحدة المحلية بزرقان، ثم صدرت توجيهات شفهية للمقاول بإزالة المخلفات وتأمين محيط الطلاب.

 

لكن، وفق الاستغاثة، لم تُترجم المعاينة إلى إزالة فعلية للركام، ولم يستجب المقاول للتوجيهات، بينما لم يعلن عن إجراء قانوني رادع بحقه حتى وقت نشر الشكوى في 23 سبتمبر 2026.

 

وهنا، تتحول المعاينة من خطوة إدارية إلى سؤال عن جدوى المتابعة نفسها، لأن تسجيل الخطر دون إنهائه يترك الأطفال في الموقع ذاته ويجعل الفاصل بين التحذير والحادث مجرد مسألة وقت واحتمال.

 

وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمود سلامة، خبير التخطيط التربوي وسياسات التعليم، في حديث عن المدرسة الآمنة، أن السلامة تبدأ بالحماية الجسدية والنفسية وتمتد إلى تأمين محيط المدرسة ومسارات انتقال التلاميذ.

 

وبناءً على هذا المعيار، تصبح سلامة الفناء والمحيط جزءًا أصيلًا من مسؤولية حماية الطفل داخل المؤسسة التعليمية، لا ملفًا منفصلًا يمكن تأجيله بحجة أن المخلفات مرتبطة بمشروع إنشاء مجاور.

 

كذلك، كانت وزارة التربية والتعليم قد أعلنت في 23 أغسطس متابعة جاهزية المدارس والمنشآت للعام الدراسي 2026 و2027 مع قيادات هيئة الأبنية التعليمية، بما يشمل الموقف التنفيذي للمشروعات وخطط الأبنية بالمحافظات.

 

ومع ذلك، فإن واقعة كمشيش تطرح فجوة واضحة بين إعلان الجاهزية وبين شكوى محلية موثقة من ركام يضيّق الفناء ويهدد الحركة، وهي فجوة تستدعي تفسيرًا وإجراءً ميدانيًا يمكن قياسه لا توجيهات شفهية فقط.

 

وفوق ذلك، لا يتعلق الخطر المحتمل بسقوط كتلة خرسانية فحسب، إذ إن تضييق المساحات المتاحة لآلاف التلاميذ يرفع احتمالات التدافع والإصابات ويضغط على قدرة الإدارة المدرسية على تنظيم الدخول والخروج وفترات الفسحة.

 

 

معايير الأمان تصطدم بواقع المدرسة

 

ومن جانب آخر، حذر الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، في حديث سابق عن البنية التعليمية، من أن ضغط الأعداد ونقص الرقابة يمكن أن يخلقا مخاطر مباشرة على صحة الأطفال وسلامتهم.

 

وبذلك، يكتسب رقم 3850 تلميذًا دلالة تتجاوز الإحصاء، لأنه يعكس حجم المسؤولية المرتبطة بإدارة المساحة والحركة والأمان، خصوصًا عندما يجتمع التكدس مع وجود مخلفات هدم ثقيلة في نطاق الاستخدام اليومي للمدرسة.

 

كما أن استمرار الدراسة وسط هذا الوضع يضع الأسر أمام معادلة قاسية بين انتظام أبنائها في التعليم وبين القلق من بيئة مدرسية تقول الشكوى إنها لم تُؤمَّن بالكامل رغم المعاينة الرسمية السابقة.

 

وفي الوقت نفسه، طالب مجلس الأمناء بمحاسبة المقاول ورفع مخلفات الهدم فورًا، معتبرًا الشكوى الموثقة بالصور بلاغًا يحمّل الجهات المعنية مسؤولية التدخل قبل وقوع حادث، لا بعد تحول التحذيرات إلى خسائر.

 

ومن ثم، فإن الاستجابة القابلة للقياس تبدأ بإخلاء الفناء والممرات من الركام، وعزل موقع الأعمال المجاور، وتحديد مسؤول مباشر عن المتابعة، وتوثيق تنفيذ إجراءات التأمين بدل الاكتفاء بجولات معاينة لا تغيّر الواقع.

 

وعلى المستوى التربوي، يوضح عاصم حجازي أن معايير المباني ليست رفاهية، بل ضرورة ترتبط بصحة الطلاب وتركيزهم وسلوكهم، وهو ما يجعل جودة البيئة المدرسية جزءًا من جودة التعليم نفسها لا بندًا ثانويًا.

 

وفي النهاية، تبقى واقعة كمشيش اختبارًا عمليًا لقدرة منظومة التعليم والإدارة المحلية على تحويل تعليمات السلامة إلى حماية فعلية، لأن قيمة اللوائح لا تقاس بعدد المعاينات بل بقدرتها على إزالة الخطر قبل وقوعه.

 

ولذلك، فإن بقاء الأنقاض بعد وصول مسؤولين إلى الموقع يضع المسؤولية في نطاق التنفيذ والمتابعة، ويجعل أي تأخير إضافي بحاجة إلى تفسير واضح أمام الأسر التي ترسل أبناءها يوميًا إلى مدرسة يفترض أن تكون آمنة.

 

وعليه، فإن إنهاء الأزمة لا يحتاج إلى مزيد من توصيف الخطر بقدر ما يحتاج إلى جدول تنفيذ معلن يضمن إزالة المخلفات وتأمين المسارات ومراجعة موقع الإنشاء قبل استمرار الحركة المدرسية بكامل طاقتها.