تجددت احتجاجات عمال شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقاهرة، خلال الأيام الأخيرة، على خلفية استمرار تأخر ضم العلاوات المستحقة لهم منذ عام 2016، وسط تصاعد حالة الغضب بين العاملين بسبب عدم ظهور نتائج ملموسة للجنة التي شُكلت لبحث الأزمة، وفق شهادات ثلاثة من العمال المشاركين في الاحتجاجات.

 

ونظم العمال، على مدار 4 أيام متتالية، وقفات احتجاجية في عدد من المحطات الرئيسية التابعة للشركة، مطالبين بحسم ملف العلاوات المتأخرة، إلى جانب عدد من المطالب المرتبطة بأوضاعهم الوظيفية والمعيشية.

 

وتأتي هذه التحركات الجديدة بعد أشهر من إعلان الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي تشكيل لجنة لدراسة الجوانب القانونية والإدارية والمالية المرتبطة بأزمة ضم العلاوات، في خطوة أثارت وقتها آمالًا لدى العاملين بإمكانية الوصول إلى حل ينهي الخلاف المستمر منذ سنوات.

 

 

العمال يجددون احتجاجاتهم

 

بحسب أحد العمال المحتجين، فإن عودة الوقفات جاءت بعدما رأى العاملون أن مطالبهم لم تجد استجابة فعلية من إدارة الشركة، خصوصًا فيما يتعلق بضم العلاوات التي لم تدخل ضمن الأجر الأساسي منذ عام 2016.

 

وقال العامل، الذي طلب عدم نشر اسمه، إن استمرار غياب النتائج دفع العمال إلى الاعتقاد بأن اللجنة التي أُعلن عن تشكيلها في يونيو الماضي لم تحقق تقدمًا ملموسًا حتى الآن، معتبرًا أن الوعود التي تلقوها خلال الفترة الماضية لم تتجاوز محاولة تهدئة الاحتجاجات السابقة.

 

وكانت الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي أعلنت في يونيو الماضي تشكيل لجنة بقرار من وزيرة الإسكان راندة المنشاوي، بهدف دراسة وبحث الجوانب القانونية والإدارية والمالية المتعلقة بأزمة ضم العلاوات.

 

ويرى العمال أن مرور الوقت دون إعلان نتائج واضحة بشأن عمل اللجنة ساهم في إعادة إشعال الاحتجاجات، خصوصًا أن القضية تمثل بالنسبة إليهم أحد أبرز الملفات المؤثرة في أجورهم الشهرية.

 

ويقول أحد المشاركين في الاحتجاجات إن العمال لم يعودوا يرون جدوى من الاكتفاء بالوعود، وإنهم يطالبون بقرار واضح يحدد آلية وموعد معالجة أزمة العلاوات.

 

 

زيادة الأجور تتصدر المطالب

 

يتصدر مطلب ضم العلاوات قائمة مطالب العمال، نظرًا لما يمكن أن يترتب عليه من زيادة في الأجر الذي يحصلون عليه فعليًا.

 

وقال عامل، طالبًا عدم نشر اسمه، إن ضم العلاوات من شأنه زيادة صافي رواتب العمال بنسب تتراوح، وفق تقديراتهم، بين 40% و60%.

 

ويربط العمال بين مطلبهم وبين الظروف الاقتصادية التي يواجهونها، في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتزايد الالتزامات الأسرية، معتبرين أن أي زيادة فعلية في دخولهم أصبحت ضرورة لمواجهة تكاليف المعيشة.

 

ولا يقتصر غضب العمال على قيمة العلاوات وحدها، إذ سبق أن طرحوا خلال احتجاجات سابقة مطالب أخرى، من بينها صرف فروق الضرائب التي خُصمت منهم بأعلى من النسبة المستحقة، وزيادة بعض البدلات، إلى جانب تثبيت العمالة المؤقتة.

 

وتكشف تعدد المطالب عن أزمة أوسع في علاقة العاملين بالشركة، إذ يرى المحتجون أن تحسين أوضاعهم لا يمكن أن يقتصر على ملف واحد، وإنما يحتاج إلى معالجة مجموعة من الملفات المالية والإدارية المتراكمة.

 

 

أعباء المعيشة تضغط على العمال

 

خلال موجة الاحتجاجات التي شهدتها الشركة في نهاية العام الماضي، تحدث عمال بمياه الشرب في القاهرة عن صعوبات مالية متزايدة يواجهونها في حياتهم اليومية.

 

ووفق شهادات سابقة، لجأ عدد من العمال إلى استخدام بطاقات ائتمانية مخصصة للمشتريات لتوفير احتياجات أسرهم الأساسية، قبل أن تتراكم عليهم الديون البنكية وتصل لدى بعضهم إلى عشرات الآلاف من الجنيهات.

 

ومع استمرار الالتزامات المالية، اضطر بعض العمال إلى الاستدانة من الأقارب والمعارف، لتتحول الاستدانة لدى بعضهم إلى وسيلة متكررة لتغطية الاحتياجات الشهرية.

 

وتشكل هذه الظروف أحد الأسباب التي تفسر تمسك العمال بضم العلاوات، إذ ينظرون إليها باعتبارها زيادة مستمرة في الدخل، وليس مجرد مكافأة أو حافز مؤقت.

 

كما أن ارتفاع الأسعار خلال السنوات الأخيرة جعل الفارق بين الأجر الحالي وتكاليف المعيشة أكثر وضوحًا بالنسبة إلى العاملين، وهو ما انعكس على طبيعة مطالبهم وتصاعد استعدادهم للاحتجاج من أجلها.

 

 

تهديدات بالتحقيق والاستدعاء

 

بالتزامن مع تجدد الوقفات، تحدث العمال عن ضغوط تعرضوا لها لمنعهم من المشاركة في الاحتجاجات.

 

وقال أحد العمال إن مسؤولين في الشركة وجهوا خلال الأسبوع الماضي تهديدات للمشاركين في الوقفات بإحالتهم إلى التحقيق، إلى جانب إبلاغ جهاز الأمن الوطني، حال مشاركتهم في التحركات الاحتجاجية التي جرى الإعلان عنها عبر مجموعات خاصة بالعاملين.

 

وأضاف أن هذه التهديدات زادت من حالة التوتر بين العمال، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول المطالب المالية وعدم وجود إعلان واضح بشأن نتائج اللجنة المكلفة ببحث أزمة العلاوات.

 

وبحسب عامل ثالث، استُدعي خمسة من زملائهم، مساء الثلاثاء، من خلال اتصالات هاتفية منفردة، إلى مقر الأمن الوطني في منطقة العباسية.

 

وقال العامل إن المستدعين أُفرج عنهم بعد نحو ثلاث ساعات، وإن زملاءهم أبلغوهم بأن الضابط الذي تحدث معهم طلب منهم تهدئة الأوضاع وعدم تنظيم وقفات احتجاجية خلال الفترة المقبلة.

 

وتأتي هذه الاستدعاءات في وقت يحاول فيه العمال إعادة تنظيم احتجاجاتهم للمطالبة بمطالب يقولون إنها لم تُحسم رغم مرور سنوات على طرحها.

 

 

محطات القاهرة شهدت تحركات متكررة

 

ولا تمثل الاحتجاجات الحالية أول تحرك لعمال شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقاهرة خلال العام الجاري.

 

ففي يوليو الماضي، نظم عمال في سبع محطات تابعة للشركة وقفات ومسيرات احتجاجية للمطالبة بتثبيت العمالة المؤقتة وضم العلاوات المتأخرة.

 

كما امتنع محصلو فواتير في أربعة فروع عن التحصيل، ضمن تحركات مرتبطة بالمطالب نفسها.

 

وتشير هذه التحركات المتكررة إلى استمرار حالة الاحتقان داخل قطاعات مختلفة من الشركة، رغم الإجراءات التي أعلنتها الإدارة خلال الأشهر الماضية لبحث بعض الملفات محل الخلاف.

 

ويرى العمال المشاركون في الاحتجاجات الحالية أن التحركات السابقة لم تؤد إلى تغيير جوهري في أوضاعهم، وهو ما دفعهم إلى العودة للشارع مجددًا.

 

 

احتجاجات 2025 امتدت للمحافظات

 

وتعود جذور الأزمة الحالية إلى موجة احتجاجات واسعة شهدتها شركة مياه الشرب والصرف الصحي خلال عام 2025، عندما نظم العمال تحركات في عشرات المواقع التابعة للشركة.

 

واستمرت تلك الاحتجاجات لنحو 15 يومًا، وتركزت مطالب المشاركين فيها حول ضم العلاوات المتأخرة منذ عام 2016، وصرف فروق الضرائب التي قالوا إنها خُصمت منهم بأعلى من النسبة المستحقة، وزيادة البدلات، وتثبيت العمالة المؤقتة.

 

ولم تقتصر الاحتجاجات حينها على القاهرة، إذ امتدت إلى عدد من المحافظات، في ظل مطالب متشابهة بين العاملين.

 

ومع مرور الوقت، استمرت أزمة العلاوات باعتبارها الملف الأبرز في الاحتجاجات، بينما لجأت الشركة إلى تشكيل اللجنة التي أعلنت عنها في يونيو الماضي لبحث الأبعاد القانونية والإدارية والمالية للأزمة.

 

لكن عدم ظهور نتائج معلنة تلبي مطالب العمال أعاد القضية إلى الواجهة، ودفعهم إلى استئناف الاحتجاجات خلال الأيام الأخيرة.

 

وبينما يطالب العمال بحسم ملف العلاوات وتحسين أوضاعهم المالية، تبدو الأزمة مرشحة للاستمرار ما لم تُعلن خطوات واضحة بشأن مطالبهم، خصوصًا أن الاحتجاجات الأخيرة جاءت بعد سلسلة من التحركات والوعود التي لم يشعر العاملون بأنها أحدثت تغييرًا ملموسًا في أوضاعهم.