يرسم حديث أحمد الشرع في نيويورك ملامح مقاربة سورية تقوم على مواصلة التفاوض مع إسرائيل، مع رفض الانتقال إلى سلام دائم قبل استعادة الأراضي التي احتلها الصهاينة وحماية أمن السوريين وحقوقهم.
ويضع الشرع السيادة والأمن الداخلي في مقدمة أولويات المرحلة الانتقالية، رابطاً بين أي تفاهمات إقليمية وبين قدرة الدولة على تثبيت مؤسساتها، وإعادة بناء الجيش، وإنهاء أشكال الوجود العسكري الأجنبي بصورة قانونية.
مفاوضات أمنية بلا سلام دائم
وفي ملف إسرائيل، قال الشرع إن جلسات تفاوض مباشرة جرت خلال الفترة الماضية، وإن الطرفين اقتربا في بعض المراحل من اتفاق بنسبة قال إنها بلغت تسعين بالمئة قبل أن تتراجع تل أبيب.
كما أوضح أن دمشق اختارت التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية عبر الدبلوماسية والحوار، مستعينة بالولايات المتحدة ودول أخرى تربطها علاقات مع إسرائيل، بدلاً من فتح مسار عسكري جديد في مرحلة انتقالية معقدة.
ومن جهة أخرى، شدد الشرع على أن المفاوضات لا تعني قبول الوضع القائم، مؤكداً تمسك دمشق بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق في الثامن من ديسمبر 2024.
وفي السياق نفسه، قال إن معالجة هذه النقطة تسبق الانتقال إلى ترتيبات أمنية أوسع، موضحاً أن العودة إلى المواقع المرتبطة باتفاق 1974 تمثل أساساً ضرورياً قبل مناقشة أي صيغة طويلة الأمد.
كذلك ربط الشرع إمكان الوصول إلى سلام مستقبلي بنجاح الترتيبات الأمنية، لكنه حرص على الفصل بين التفاوض الجاري وبين إعلان سلام دائم، مؤكداً أن حقوق السوريين وأمنهم تظلان أولوية سابقة.
وفي حديثه عن المخاوف الإسرائيلية، اقترح الشرع إمكانية تشكيل لجنة دولية تبحث هذه المخاوف وتفصل بين ما تعتبره دمشق مخاطر حقيقية وبين تصورات أمنية يمكن التعامل معها عبر آليات تفاوضية واضحة.
وبالمقابل، رفض الشرع أن تتحول أحداث السابع من أكتوبر إلى مرجعية دائمة ترسم سياسات إسرائيل تجاه سوريا، مشيراً إلى ضرورة النظر أيضاً إلى ما جرى في غزة من خسائر بشرية واسعة.
كما اعتبر أن الأمن لا يمكن بناؤه عبر زعزعة استقرار المحيط، وقال إن احترام أمن الآخرين يمثل جزءاً من أي تصور قابل للاستمرار، وربط الاستقرار الإقليمي بتوسيع فرص العلاقات الاقتصادية والتجارية.
ومن ناحية أخرى، تساءل الشرع عن أثر الضربات الإسرائيلية والتوغلات والاعتقالات داخل الأراضي السورية على أمن الإسرائيليين، معتبراً أن استمرار هذه العمليات يضيف توتراً جديداً بدلاً من إزالة مصادر الخطر.
وفي المحصلة، تبدو الرسالة السورية مركزة على اتفاق أمني تدريجي أكثر من كونها إعلاناً عن تطبيع سريع، إذ تضع دمشق الانسحاب ووقف الاعتداءات وضمان الحقوق قبل أي انتقال إلى سلام شامل.
الجولان والسيادة والوجود العسكري الأجنبي
وفي ملف الجولان، تمسك الشرع باعتبار الهضبة أرضاً سورية، وقال إن وضعها ليس قابلاً للتنازل أو المنح من أي طرف، مع رفض اعتبار الاعتراف الأمريكي السابق بالسيادة الإسرائيلية حاسماً للموقف السوري.
كما روى أنه استخدم المزاح خلال حديث سابق مع دونالد ترمب، مقارناً بين الجولان وولاية نيوجيرسي، ليؤكد أن الأرض ليست ملكاً سياسياً يمكن منحها لطرف آخر بقرار منفرد.
وفي الوقت نفسه، ربط الشرع استعادة السيادة بإنهاء القواعد العسكرية الأجنبية، موضحاً أن دمشق ورثت وجوداً روسياً واسعاً بعد سقوط النظام السابق، ثم دخلت في تفاوض مع موسكو حول مستقبله.
ووفق حديثه خلال الجلسة، تراجع عدد المواقع الروسية من نحو 170 إلى قاعدتين، مع اتجاه لتحويلهما إلى منشأتين لتدريب الجيش السوري بدلاً من استخدامهما في عمليات خارجية أو دعم لوجستي.
كما أشار إلى أن ما تم التوصل إليه مع موسكو أدرج في مذكرة تفاهم يجري تنفيذها، مؤكداً أن أي وجود عسكري أجنبي يجب أن يستند مستقبلاً إلى سند قانوني وموافقة مجلس الشعب.
وفي ما يتعلق بالقوات الأمريكية، وصف الشرع الانسحاب بأنه جرى بأمان وتفاهم ومن دون حرب، وقال إن مؤسسات الدولة والقوات السورية تسلمت المناطق التي غادرتها تلك القوات خلال عملية الانتقال.
ومن جانب آخر، اعتبر أن تطوير العلاقات الدبلوماسية مع دول الجوار والقوى الدولية يمكن أن يقلل الحاجة إلى بقاء قوات أجنبية، إذا استطاعت الدولة تأمين حدودها وبناء قدراتها العسكرية والأمنية.
كذلك وضع الشرع مفهوم السيادة في إطار أوسع من مجرد خروج القوات الأجنبية، إذ ربطه ببناء مؤسسات قادرة على إدارة الأرض والسلاح والحدود وإخضاع القرارات الأمنية لمسار دستوري وقانوني.
وفي هذا الإطار، يظهر أن دمشق تريد الجمع بين التهدئة الخارجية وإعادة بناء أدوات الدولة داخلياً، مع الحفاظ على هامش تفاوضي يسمح بخفض الاحتكاك مع روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل في وقت واحد.
الدولة الجديدة والملفات الداخلية
وفي الملف الداخلي، قال الشرع إن الدولة تسيطر على معظم الأراضي، وإن قوات قسد جرى تفكيكها وأصبحت تعمل تحت مظلة الدولة، مع التأكيد على الفصل بين الفصيل المسلح والمجتمع الكردي.
كما شدد على أن الأكراد جزء من المجتمع السوري، وأعاد التذكير بالمرسوم رقم 13 الصادر في 16 يناير 2026، والمتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية والجنسية واعتماد النوروز عطلة رسمية.
وفي خطوة مرتبطة بذلك، قال إن وزارة التربية بدأت تطبيق بنود تسمح بتدريس اللغة الكردية اختيارياً في المناطق التي يشكل الأكراد فيها نسبة ملحوظة من السكان، ضمن مسار تنفيذ المرسوم.
ومن الناحية الدستورية، أوضح الشرع أن مجلس الشعب سيشكل لجاناً لمراجعة القوانين وصياغة الدستور، مع توقع إنجاز العملية قبل نهاية المرحلة الانتقالية المحددة بخمس سنوات منذ إعلان مارس 2025.
كما وصف انتخابات مجلس الشعب بأنها لم تكن مثالية لكنها مناسبة للمرحلة، مشدداً على أن الهدف المعلن هو الوصول إلى سلطة مؤسساتية، وتجنب المحاصصة العرقية أو الدينية أو الجغرافية.
وفي ما يتعلق بمستقبله السياسي، قال الشرع إنه لم يحسم بعد مسألة الترشح للانتخابات المقبلة، وإن قراره سيتصل بما يراه مسؤولية تجاه استمرار إدارة المرحلة وتطوير البلاد اقتصادياً وسياسياً.
ومن جهة أخرى، قال إن إعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية بدأت بحل الفصائل وتوحيد السلاح تحت سلطة الدولة، ثم وضع معايير للقبول والتدريب وتوسيع المعسكرات المخصصة لإعداد القوات.
كما أقر بأن ملء الفراغ سريعاً بعد سقوط النظام أدى إلى استيعاب أعداد كبيرة قبل اكتمال عمليات التدريب والتدقيق، مشيراً إلى وقوع حوادث خلال المرحلة الانتقالية والحاجة إلى رفع الاحترافية.
وفي حديثه عن ماضيه، نفى الشرع أي صلة له بهجمات 11 سبتمبر، وتناول بيعته السابقة لتنظيم القاعدة باعتبارها مرتبطة بظروف المنطقة ومسار شخصي قال إنه تطور لاحقاً مع الثورة السورية.
وأخيراً، تناول ملف الصحفي الأمريكي أوستن تايس، قائلاً إن السلطات تتواصل مع عائلته كلما ظهرت معلومات جديدة، وربط الملف بقضية أوسع تشمل نحو 150 ألف سوري قال إنهم ما زالوا مفقودين.
وبذلك يجمع خطاب الشرع بين تفاوض خارجي حذر وبرنامج داخلي لإعادة بناء الدولة، فيما تبقى قدرة دمشق على تحويل هذه المواقف إلى ترتيبات مستقرة مرتبطة بنتائج التفاوض ومسار المؤسسات والأمن خلال السنوات المقبلة.

