يفتح الكتاب الدوري الجديد لسد عجز المعلمين بابًا واسعًا للشكوك حول قدرة وزارة التربية والتعليم على إنقاذ عام دراسي جديد، بعدما تحوّل نقص المدرسين من أزمة مؤقتة إلى خلل مزمن يهدد حق الطلاب في تعليم حقيقي.

 

وتكشف العودة إلى نظام الحصة مقابل 50 جنيهًا أن الحكومة تبحث عن مسكن إداري سريع لأزمة اعترفت بنفسها بوصولها إلى 469 ألف معلم، بدلًا من بناء خطة جادة للتعيين وتحسين الأجور واستبقاء الكفاءات داخل الفصول.

 

 

عجز ضخم وحلول مؤقتة هشة

 

فبدلًا من الإعلان عن جدول زمني واضح لتعيين عشرات الآلاف، سمحت الوزارة بالاستعانة بحملة المؤهلات العليا التربوية من خارجها، وبالمعلمين الذين تجاوزوا نصابهم، في محاولة لسد فراغ لا يمكن ملؤه بقرارات موسمية.

 

كما أعادت الضوابط تفعيل قرار قديم لتوزيع المعلمين بين المدارس والإدارات، وهو إجراء قد يخفف الاختلال في مناطق بعينها، لكنه لا يخلق معلمًا جديدًا ولا يعالج نقص التخصصات الأساسية المتراكم منذ سنوات.

 

ومن ثم تبدو الإشارة إلى الاستعانة بالموجهين في الحالات القصوى دليلاً إضافيًا على عمق الأزمة، لأن الموجه المفترض أن يتابع جودة التدريس أصبح مرشحًا لترك مهمته الرقابية والدخول إلى فصل يعاني الغياب.

 

لكن الوزارة قدّمت الإجراءات باعتبارها ضمانًا لانتظام الدراسة، رغم أن انتظام الجرس لا يعني بالضرورة انتظام التعلم، فالطالب يحتاج إلى مدرس مستقر يعرف فصله ومنهجه وتلاميذه، لا إلى بديل عابر يتغير كل أسبوع.

 

وبحسب الضوابط، لا يتجاوز نصاب المعلم المستعان به 20 حصة أسبوعيًا، بينما لا تزيد الحصص الزائدة بالأجر للمعلمين المعينين على 15 حصة، بما يكشف أن الخطة محدودة السقف أمام فجوة تقترب من نصف مليون معلم.

 

لذلك يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كم معلمًا يمكن أن يجذبه المقابل المطروح فعلًا، وكم مدرسة ستظل خارج التغطية بعد استنفاد المعلمين المتاحين؟ فالقرار يحدد آلية الصرف، لكنه لا يعلن تقديرًا معلنًا لحجم ما سيسده.

 

ويحذر محمد زهران، مؤسس تيار استقلال المعلمين والمنتقد لسياسات الحكومة التعليمية، من معالجة نقص المدرسين بالحلول المؤقتة، لأن العجز الحقيقي يرتبط بضعف التعيين وتدهور الأوضاع المهنية، لا بمجرد سوء توزيع قائم.

 

وفي المقابل، يظل غياب بيانات تفصيلية عن العجز في كل محافظة ومادة دراسية سببًا في صعوبة مراقبة التنفيذ، إذ لا يعرف أولياء الأمور والطلاب أي المناطق ستُعالج أولًا وأيها ستبقى رهينة الجداول الناقصة.

 

 

خمسون جنيهًا مقابل الفصل

 

كما تكشف قيمة الحصة المحددة عند 50 جنيهًا عن تناقض واضح بين حجم المسؤولية المعروضة والمقابل المالي، فالمعلم لا يقدم ساعة عابرة، بل يتحمل شرحًا وإعدادًا وانضباط فصل وتقييمًا ومتابعة لطلاب متفاوتي الاحتياجات.

 

وعند احتساب الحد الأقصى البالغ 20 حصة أسبوعيًا، يصل الدخل النظري إلى ألف جنيه أسبوعيًا قبل أي تكاليف انتقال أو انتظار أو تأخر في الصرف، وهو دخل غير مضمون ولا يمنح صاحبه أمانًا وظيفيًا أو تأمينًا مستقرًا.

 

كذلك أقرت الوزارة بأن راتب المعلم المساعد ارتفع من 5600 جنيه سنة 2024 إلى 9400 جنيه حاليًا، لكنها اعترفت بأن الزيادة لا تكفي، وهو إقرار يفسر لماذا لا تبدو الحصة خيارًا مغريًا للكفاءات المؤهلة.

 

بينما تتطلب مواجهة العجز سياسة أجور تضمن بقاء المعلم في المدرسة الحكومية، يدفع ضعف الدخل كثيرين إلى الدروس الخاصة أو الأعمال الإضافية، فتخسر المدرسة وقتهم وتركيزهم، ثم تبحث الوزارة عن بدلاء بأجر أقل.

 

وفي هذا السياق، يرى عبد الناصر إسماعيل، المعلم والناشط النقابي المعارض لسياسات الحكومة، أن ربط سد العجز بمكافآت متقطعة يتجاهل أصل المشكلة، لأن التعليم العام لا يستقيم بعمالة هشة قابلة للانسحاب في أي وقت.

 

ومن جهة أخرى، تفرض آلية الصرف سلسلة طويلة من الاعتمادات تشمل مدير المدرسة وشؤون العاملين والموجهين والإدارة المالية، ما يفتح الباب أمام تأخير المستحقات، بينما يحتاج معلم الحصة إلى أجر منتظم حتى يستطيع الاستمرار.

 

غير أن الضوابط لم تجب بوضوح عن كيفية محاسبة المدارس التي تفشل في توفير معلم لمادة كاملة، ولا عن حق الطالب في تعويض الحصص الضائعة، رغم أن غياب مدرس واحد قد يحرم فصلًا كاملًا من المنهج.

 

لذلك لا تبدو المشكلة في وجود ضوابط للمؤهلات والتوزيع، بل في تقديمها باعتبارها بديلًا عن التعيين الدائم، فالتعليم لا يُدار كطوارئ مستمرة ولا تُبنى الثقة داخله بعقود قصيرة ومكافآت محدودة.

 

 

فصول بلا معلمين منتظمين

 

كما تكشف الشهادات الميدانية أن نظام الحصة لم يمنع بقاء فصول بلا تدريس منتظم خلال العام الماضي، إذ تحدث طالب بالصف الأول الثانوي في القاهرة عن غياب معلم للتربية الدينية طوال العام الدراسي كاملًا.

 

وفي المدرسة نفسها، قال الطالب إن معلم برمجة واحدًا كان مسؤولًا عن جميع الفصول، بما جعل المادة الجديدة عبئًا إضافيًا على شخص واحد، بدلًا من أن تصبح فرصة جادة لتطوير مهارات الطلاب الرقمية.

 

ثم تحول الغياب من استثناء إلى واقع يومي في بعض الفترات، إذ أشار الطالب إلى توقف الحصص فعليًا في أيام خلال رمضان، وبقاء التلاميذ ساعات داخل المدرسة من دون شرح أو متابعة أو استفادة تعليمية حقيقية.

 

وبالتالي لا يكفي أن تسجل المدرسة حضور الطلاب أو تملأ الجدول بأسماء مستعان بهم، لأن معيار النجاح الحقيقي هو حصول كل طالب على حصته كاملة مع معلم مؤهل، لا مجرد بقائه في مبنى المدرسة.

 

ويؤكد محمد زهران أن تحميل المعلمين الموجودين فوق طاقتهم يزيد الإنهاك ويضعف جودة الشرح، خصوصًا في المدارس المزدحمة، حيث يحتاج المعلم إلى وقت للتحضير والتصحيح والتعامل مع الفروق الفردية بين الطلاب.

 

ولأن التوزيع الجغرافي جزء من الضوابط الجديدة، فإن نجاحه يتطلب إعلان الاحتياجات الفعلية بشفافية، مع أولوية واضحة للقرى والمناطق الأكثر حرمانًا، بدلًا من ترك المدارس تتنافس على العدد المحدود من المتقدمين.

 

فالمشكلة لا تختزل في فتح باب الاستعانة، بل في غياب ضمانات تمنع تكرار مشهد الفصول الصامتة، حيث يُهدر وقت الطلاب ثم يُطلب منهم لاحقًا تعويض النقص بالدروس أو المذاكرة الذاتية أو الحفظ بلا فهم.

 

وأمام عام دراسي جديد، تحتاج الوزارة إلى خطة تعيين معلنة وممولة ومرتبطة بخريطة العجز، مع أجور عادلة وتدريب حقيقي ومساءلة دورية، لأن 50 جنيهًا للحصة قد تملأ فراغًا مؤقتًا لكنها لن تنقذ منظومة منهكة.