يراجع أليكس تشالمرز كتاب «جيوش من الرمال» للكاتب كينيث بولاك، محلل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية السابق، الذي يبحث في أسباب ضعف أداء الجيوش العربية في ساحات القتال، رغم امتلاكها في كثير من الأحيان تفوقًا واضحًا في أعداد الجنود والمعدات العسكرية.
ويقدم موقع وورك إن بروجرس قراءة لكتاب «جيوش من الرمال»، الذي يحاول تفسير أسباب إخفاق الجيوش العربية في تحقيق نتائج عسكرية تتناسب مع حجم قواتها وتسليحها، بعيدًا عن التفسير الذي يعزو هذه الإخفاقات ببساطة إلى التفوق التقني أو العسكري الإسرائيلي.
في الساعات الأولى من يوم 5 يونيو 1967، تلقى جمال عبد الناصر أخبارًا إيجابية من قادته العسكريين. فقد أبلغوه بأن القوات الجوية المصرية دمرت ثلاثة أرباع سلاح الجو الإسرائيلي، وأنها تواصل تدمير ما تبقى من قواعد العدو الجوية. وسرعان ما أرسلت مصر هذه المعلومات برقيًا إلى حلفائها في سوريا والأردن والعراق، الذين دخلوا الحرب بحماس وهم يتوقعون انتصارًا سهلًا.
لكن قادة عبد الناصر لم يكونوا صادقين تمامًا. فقد دُمر ثلاثة أرباع أحد سلاحي الجو بالفعل، لكنه كان سلاح الجو المصري؛ إذ قصفت إسرائيل 298 طائرة مقاتلة مصرية من أصل 420 وهي رابضة على مدارج المطارات. ومع انطلاق الهجوم البري الإسرائيلي الخاطف، قفز الضباط المصريون إلى سيارات القيادة وتركوا جنودهم. وانتهت حرب الأيام الستة بخسارة التحالف العربي نحو 70 ألف كيلومتر مربع من الأراضي، رغم امتلاكه عددًا أكبر بكثير من الجنود والدبابات والطائرات مقارنة بالقوات الإسرائيلية.
عقيدة عسكرية جامدة وسيطرة مركزية
يستكشف كينيث بولاك في كتاب «جيوش من الرمال» أسباب ضعف أداء الجيوش العربية في ميادين القتال، رغم تمتعها بصورة متكررة بتفوق في القوى البشرية والمعدات؛ فقد تعرضت ليبيا في عهد معمر القذافي لسلسلة من الهزائم أمام تشاد الفقيرة، كما شن صدام حسين ما يصفه بولاك بأنه «واحد من أكثر الهجمات العسكرية إثارة للشفقة في القرن الماضي» ضد إيران.
ويطرح الخبراء عدة تفسيرات شائعة لهذه الظاهرة. فقد اعتمدت دول عربية كثيرة بصورة كبيرة على العقيدة والتدريب السوفيتيين، اللذين ركزا على العمليات المخطط لها مسبقًا والسيطرة المركزية. وعندما كانت تتغير ظروف المعركة بصورة غير متوقعة، كان الضباط يعجزون عن الاستجابة بمرونة.
وخلال حرب أكتوبر 1973، اخترقت القوات السورية الدفاعات الإسرائيلية في هضبة الجولان. لكنها بدلًا من استغلال تفوقها ومواصلة التقدم، توقفت وفقًا للخطة الموضوعة قبل الحرب. وفي غضون ذلك، دفعت إسرائيل بقوات الاحتياط إلى الجبهة واستعادت الأراضي التي خسرتها.
ويطرح تفسير آخر مسألة تسييس الجيوش؛ فقد خشي القادة العرب في كثير من الأحيان قواتهم المسلحة أكثر مما خشوا جيوش خصومهم، ما أدى إلى ترقية الضباط على أساس الولاء وإقصاء أصحاب الخبرة. وفي مرحلة ما، امتلك صدام حسين ما يصل إلى 16 جهازًا أمنيًا مختلفًا، انشغل كل منها بدرجة مفرطة بالتجسس على الأجهزة الأخرى.
لكن بولاك يرى أن هذه التفسيرات لا تكفي. اعتمدت كوبا وكوريا الشمالية أيضًا على العقيدة السوفيتية، وحققتا أداءً عسكريًا معتبرًا في صراعات القرن العشرين. وحتى بعد حدوث قدر كبير من إبعاد السياسة عن المؤسسة العسكرية المصرية خلال سبعينيات القرن الماضي، ظل أداء الجيش المصري ضعيفًا بالقدر نفسه.
ويرى بولاك أن جذور هذه الإخفاقات ترتبط بأنماط ثقافية يصفها بأنها شائعة في عدد من المجتمعات العربية، ومنها احترام السلطة بصورة مفرطة، وتقديم الولاء للجماعة الداخلية على الغرباء، وإعلاء قيمة الشرف الشخصي، والخوف الشديد من العار.
ويفسر الخوف من العار، وفقًا لبولاك، سبب إبلاغ قادة عبد الناصر له بأنه يحقق الانتصار، بينما يفسر الخضوع للتراتبية الهرمية سبب استمرار ضباط الكتائب في تنفيذ الأوامر حتى بعد فقدانها جدواها على أرض المعركة.
التعليم والثقافة وأثرهما في أداء الجيوش
يربط بولاك جانبًا كبيرًا من هذه الثقافة بالتعليم الرسمي وغير الرسمي. ويصف الأسرة العربية بأنها كبيرة وأبوية، وتقوم على سلطة الأب التي لا تخضع عادةً للتشكيك. كما تعود جذور التعليم العربي الحديث، وفق تحليله، إلى المدارس القرآنية التي شكلت لقرون طويلة الشكل الرئيسي للتعليم في أجزاء واسعة من المنطقة.
وفي هذه المدارس، تنتقل المعرفة من سلطة أعلى إلى المتعلم، بينما تعتمد العملية التعليمية بدرجة كبيرة على الحفظ. وعندما أنشأت الحكومات أنظمة التعليم العام واسعة النطاق خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، غيرت المناهج لكنها أبقت أساليب التدريس التي تعطي الأولوية للتلقين والحفظ على حساب حل المشكلات.
ويمتد هذا النمط إلى التدريب العسكري، الذي يتكون في كثير من الأحيان من تكرار مناورات محددة مسبقًا. ويتذكر مدرب أمريكي عمل مع نخبة الطيارين المصريين على طائرات إف-16 أنهم كانوا يعرفون قبل بدء التدريبات «أين ينعطفون، وأين يتظاهرون بإطلاق الذخائر، ومن سينتصر»، وأنهم كانوا يشعرون «بانزعاج شديد عندما يفعل أحدهم شيئًا لم يكن من المفترض أن يفعله».
وتتركز السلطة في معظم المكاتب والمؤسسات الحكومية العربية في المستويات العليا، بينما لا تحظى المجازفة عادةً بالتقدير. ويتصرف المديرون بصفتهم شخصيات أبوية، فيقرضون الموظفين المال، ويتوسطون في نزاعاتهم الشخصية، ويتدخلون في شؤون أسرهم.
وأظهرت دراسة تناولت الأجهزة البيروقراطية في مصر والسعودية والسودان أن 90% من كبار المسؤولين اعتبروا مرؤوسيهم «غير مؤهلين للابتكار». وبالتالي، فإن الضابط المصري أو العراقي الذي يقف في ميدان المعركة يكون قد عاش داخل هذه الرؤية للعالم على مدى عقود، وعبر مؤسسات متعاقبة.
الاستثناءات وإمكانات الإصلاح
يرى بولاك أن الاستثناءات من هذا النمط تعزز حجته إلى حد كبير. فقد برز حزب الله كقوة قتالية عالية الكفاءة بعد تقليص أعداده عقب الحرب الأهلية اللبنانية، ما أدى إلى الإبقاء على الأقلية الصغيرة من الأفراد ذوي السمات الثقافية غير النمطية، الذين أثبتوا جدارتهم في ميدان المعركة.
وفي المقابل، اعتمد تنظيم الدولة الإسلامية، خلال ذروة قوته عام 2014، بدرجة كبيرة على قادة عسكريين بارزين من الشيشان والأوزبك والطاجيك.
ويرى تشالمرز أن كثيرًا من السمات التي يصفها بولاك تبدو مألوفة لأي شخص تعامل مع بنك أو وزارة حكومية في الشرق الأوسط. ولا تزال هذه السمات، وفقًا لطرح المقال، تمثل تحديًا أمام الجهود الإقليمية الرامية إلى تحقيق إصلاحات اجتماعية واقتصادية.
ويخلص الكتاب إلى أن فهم أداء الجيوش العربية لا يقتصر على دراسة حجم القوات أو مستوى التسليح، بل يتطلب النظر أيضًا إلى المؤسسات التعليمية والإدارية والعسكرية والثقافة التنظيمية التي تشكل سلوك الأفراد والقادة.
ومن هذا المنظور، فإن معالجة أوجه القصور العسكرية ترتبط بإصلاح أوسع في أساليب التعليم والإدارة والعلاقات داخل المؤسسات، وليس بمجرد شراء مزيد من الأسلحة أو تغيير العقيدة العسكرية.
https://worksinprogress.co/issue/why-arab-armies-dont-win-wars/

