يكشف حديث قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي عن تحويل الأكاديمية العسكرية إلى معبر للراغبين في تولي وظائف بالقضاء والخارجية والرقابة الإدارية اتساع الدور الذي باتت تلعبه مؤسسة عسكرية في مسارات وظيفية مدنية شديدة الحساسية.

 

ويضع إصرار السيسي على نفي استهداف ما سماه «عسكرة الدولة» تصريحاته أمام سؤال سياسي وقانوني مباشر حول الحدود الفاصلة بين مهمة القوات المسلحة وبين إدارة اختيار وتأهيل العاملين بمؤسسات يفترض استقلالها المؤسسي.

 

شهد السيسي في 17 سبتمبر 2026 حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية، بحضور قيادات حكومية وعسكرية وقضائية، معلنا تخرج نحو 1350 من أعضاء الجهات والهيئات القضائية.

 

وقال السيسي إن الأكاديمية أصبحت «معبرًا» لتولي الوظائف في الدولة، محددا القضاء ووزارة الخارجية وهيئة الرقابة الإدارية ضمن المؤسسات التي يشملها المسار الجديد، ومؤكدا أن نتائجه ستظهر خلال سنوات.

 

وبرر السيسي التوسع العسكري في التأهيل الوظيفي بالرغبة في فرض معايير موحدة للاختيار ومنع المحاباة والمجاملة، معتبرا أن معايير التوظيف السابقة تعرضت للإهدار ولم تعد، من وجهة نظره، موضوعية بما يكفي.

 

لكن هذه المبررات لا تنهي الجدل، لأن القضية لم تعد مرتبطة بدورة تدريبية محدودة، وإنما بمؤسسة عسكرية أصبحت جزءا مؤثرا من رحلة الوصول إلى وظائف ترتبط بالقضاء والدبلوماسية والرقابة والإدارة المدنية.

 

 

الأكاديمية تتجاوز حدود التدريب

 

يعود الجدل إلى ما قبل تصريحات سبتمبر، بعدما أثارت توسعات سابقة لدور الأكاديمية اعتراضات داخل الوسط القضائي، خصوصا مع ربط اجتياز برامجها باستكمال بعض إجراءات التعيين والترقية لأعضاء جهات وهيئات قضائية.

 

وفي مطلع 2026 تصاعد الخلاف عندما ظهرت اتجاهات تمنح الأكاديمية دورا أكبر في عمليات تقييم المرشحين، وهو ما دفع قضاة إلى مناقشة القضية باعتبارها مرتبطة مباشرة باستقلال إدارة المؤسسة القضائية لشؤونها.

 

ويرى المحامي الحقوقي ناصر أمين، رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، أن إخضاع التعيينات والترقيات القضائية لجهة عسكرية يهدد ما تبقى من استقلال القضاء ويمنح السلطة التنفيذية نفوذا واسعا داخله.

 

وكان أمين قد وصف في انتقادات سابقة فرض التدريب العسكري على القضاة بأنه تهديد شديد الخطورة لاستقلال السلطة القضائية، معتبرا أن شؤون اختيار القضاة وتأهيلهم ينبغي أن تبقى داخل المؤسسات القضائية المختصة.

 

وتكتسب هذه الانتقادات ثقلا إضافيا لأن السيسي لم يتحدث عن القضاء فقط، بل وضع الخارجية والرقابة الإدارية وغيرها ضمن الدائرة نفسها، بما يعني أن التجربة تتجاوز قطاعا واحدا إلى نموذج أوسع للتوظيف.

 

وتقول السلطة إن توحيد الاختبارات يمنع الواسطة ويضمن الكفاءة والانضباط، وهي حجة يقدمها السيسي باعتبارها علاجا لاختلالات قديمة في التوظيف الحكومي، وليس محاولة لفرض نموذج عسكري على المؤسسات المدنية.

 

غير أن السؤال الذي تطرحه المعارضة يتعلق بمن يحدد تلك المعايير ومن يراقب تطبيقها، وما إذا كان استبدال مؤسسات مدنية متعددة ببوابة عسكرية مركزية يعالج المحاباة أم ينقل سلطة الاختيار إلى مركز آخر.

 

 

القضاء أمام اختبار الاستقلال

 

يمثل القضاء الجزء الأكثر حساسية في الأزمة، لأن استقلال القاضي لا يرتبط بأحكامه داخل قاعة المحكمة وحدها، وإنما يبدأ أيضا من قواعد الاختيار والتعيين والتدريب والترقية والجهة التي تملك التأثير فيها.

 

وتشير وقائع شهدها القضاء خلال 2026 إلى اعتراضات على توسيع اختصاص الأكاديمية، فيما أكد مجلس القضاء الأعلى لاحقا احتفاظه باختصاص التعيينات بعد جدل أدى إلى تعليق جمعية عمومية طارئة كانت مقررة لمناقشة القضية.

 

وانتقد المحامي صالح حسب الله، المتخصص أمام النقض والدستورية العليا والمستشار القانوني السابق لحركة استقلال جامعة عين شمس، إدخال الأكاديمية في تأهيل القضاة، معتبرا أن ذلك يمس الطبيعة المدنية المستقلة للقضاء.

 

ويرى حسب الله أن ربط تكوين القاضي بمرجعية أمنية أو عسكرية يثير مشكلة تتعلق بالحياد، لأن القضاء يحتاج، وفقا لهذا التصور، إلى مسافة واضحة عن بقية سلطات ومؤسسات الدولة التنفيذية.

 

وتزداد حساسية الأمر عندما يصبح اجتياز دورة أو اختبار خارج المنظومة القضائية مؤثرا في المسار الوظيفي للقاضي، إذ وثقت تقارير حالات تأثرت فيها ترقيات أعضاء بهيئة قضايا الدولة بعدم اجتياز متطلبات مرتبطة بالأكاديمية.

 

كما أوصت هيئة مفوضي الدولة في دعاوى مرتبطة بتلك الحالات بإلغاء قرارات استبعاد من الترقية، مستندة إلى أن اجتياز دورة الأكاديمية العسكرية ليس شرطا منصوصا عليه في القوانين المنظمة للترقي القضائي.

 

في المقابل، يدافع أستاذ القانون الدستوري صلاح فوزي عن هذه التدريبات، ويرى أن بعض العاملين بالمؤسسات القضائية يحتاجون معرفة أمنية وعسكرية تتناسب مع حساسية وظائفهم، وأن الأكاديمية مؤهلة لتقديم هذا النوع من البرامج.

 

ويظهر هذا الخلاف أن جوهر الأزمة ليس التدريب في حد ذاته فقط، وإنما الحدود القانونية والمؤسسية لدور الأكاديمية، والفارق بين تقديم برنامج تأهيلي وبين امتلاك سلطة عملية تؤثر في القبول أو الترقية.

 

 

الدولة المدنية تحت الوصاية

 

يتجاوز خطاب السيسي ملف القضاء عندما يربط الخارجية والرقابة الإدارية ومؤسسات أخرى بالأكاديمية، وهو توسع يفتح نقاشا أوسع حول موقع المؤسسة العسكرية داخل بنية الدولة المدنية وحدود مشاركتها في إدارة كوادرها.

 

ويقول المحامي الحقوقي عبد الرازق مصطفى إن الفصل بين السلطات يمثل ركنا أساسيا في الدولة الحديثة، محذرا من أن منح جهة عسكرية تأثيرا في التعيين والترقية يمكن أن يخلق أدوات ضغط غير مباشرة.

 

ويربط مصطفى خطورة المسألة بالقضاء خصوصا، لأن الدولة نفسها قد تكون طرفا في المنازعات، بينما يحتاج القاضي إلى استقلال مؤسسي يبعد مساره المهني عن تأثير الجهات التابعة للسلطة التنفيذية أو المرتبطة بها.

 

أما السيسي فيقدم الصورة بصورة مغايرة تماما، إذ يؤكد أن الغرض هو الإصلاح وخلق مسار جاد وموحد للاختيار، وينفي أن يكون تحويل الأكاديمية إلى معبر لمؤسسات الدولة تعبيرا عن عسكرة مؤسساتها.

 

لكن تكرار النفي يعكس في ذاته حجم الجدل المثار حول المشروع، خصوصا بعدما لم يعد الحضور العسكري مقصورا على تدريب موظفين، بل أصبح مرتبطا بمراحل تؤثر في وصول أشخاص إلى مواقع مدنية وقضائية.

 

ويزيد السيسي هذا المسار بعدا سياسيا عندما يربطه بتحذيراته من أحداث 2011 و2013، وبحديثه عن استمرار محاولات إسقاط الدولة، ما يجعل قضية اختيار الموظفين مرتبطة في خطابه بمفهوم أوسع للأمن السياسي.

 

وهنا يتسع الخلاف بين رؤيتين متعارضتين؛ الأولى تعتبر الأكاديمية أداة للانضباط ومنع المحسوبية، والثانية ترى أن حماية المؤسسات من الفساد لا تستلزم وضع مفاتيح الدخول إلى وظائفها المدنية داخل مؤسسة عسكرية.

 

كما أن مكافحة الواسطة، وهي المشكلة التي يستند إليها السيسي في الدفاع عن النظام الجديد، تظل بحاجة إلى قواعد منشورة ورقابة مستقلة وحق في التظلم وشفافية نتائج الاختبارات، بصرف النظر عن الجهة التي تجريها.

 

وفي دولة تقوم دستوريا على تعدد السلطات والمؤسسات، تظل القضية الأساسية هي تحديد المسؤولية والاختصاص، لأن توحيد معايير التوظيف لا يعني بالضرورة توحيد الجهة التي تتحكم في بوابات القضاء والدبلوماسية والرقابة.

 

وتضع تصريحات سبتمبر 2026 السيسي أمام مفارقة سياسية واضحة في خطاب منتقديه؛ فهو ينفي «عسكرة الدولة» بينما يعلن بنفسه أن أكاديمية عسكرية أصبحت معبرا لعدد متزايد من أهم وظائف الدولة المدنية.

 

وبين تبرير السلطة بأن الأمر إصلاح إداري وتحذيرات حقوقيين وقانونيين من المساس باستقلال المؤسسات، يبقى مستقبل التجربة مرتبطا بمدى اتساع صلاحيات الأكاديمية، وما إذا كانت ستظل جهة تدريب أم تتحول إلى بوابة اختيار فعلية.