أعلنت قناة «سكاي نيوز عربية»، أمس الأربعاء، سحب السلطات الجزائرية اعتماد مكتبها، بعد أيام من قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، في تطور يوسع دائرة الأزمة وينقل تداعياتها إلى الحضور الإعلامي داخل الجزائر.
وأعاد القرار تسليط الضوء على التوتر بين البلدين، وعلى الجدل السابق الذي أثارته القناة بشأن الهوية الجزائرية، بينما يترك غياب الأسباب التفصيلية المعلنة أسئلة مفتوحة حول خلفيات الإجراء وحدوده وتوقيته.
سحب الاعتماد وسط غموض الأسباب
نشرت القناة إعلانًا مقتضبًا عبر صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، أكدت فيه سحب اعتماد مكتبها في الجزائر، دون تقديم تفاصيل إضافية تشرح المبررات التي استندت إليها السلطات في اتخاذ هذا القرار.
واكتفى الإعلان بإبلاغ الجمهور بالخطوة، دون توضيح ملابسات إخطار المكتب أو الإجراءات التي سبقتها، ما يجعل المعلومات المتاحة محدودة بشأن الأساس الإداري للقرار وطبيعة الاتصالات التي رافقت صدوره خلال الأيام الأخيرة.
وتتخذ القناة من أبوظبي مقرًا لها، وكانت قد عينت مراسلًا لتغطية الشأن الجزائري ضمن نشراتها وبرامجها، قبل أن يضع سحب الاعتماد نهاية لعمل مكتبها بصيغته المعتمدة داخل البلاد في الوقت الحالي.
ويأتي توقيت القرار ليمنحه دلالة سياسية تتجاوز نطاقه الإداري، إذ صدر بعد أقل من أسبوع على إعلان القطيعة الدبلوماسية، وسط إجراءات متلاحقة عكست اتساع الخلاف بين الجزائر وأبوظبي خلال سبتمبر الجاري.
لكن التعاقب الزمني بين الخطوتين لا يكفي وحده لإثبات أن سحب الاعتماد جاء تنفيذًا مباشرًا لقرار قطع العلاقات، خصوصًا أن إعلان القناة لم يتضمن تفسيرًا رسميًا يحدد هذه الصلة بشكل واضح.
ويظل التمييز ضروريًا بين وقف نشاط مكتب إعلامي داخل دولة، واستمرار المؤسسة في تناول أخبارها من الخارج، فالإجراء المعلن يتعلق بالاعتماد المحلي، ولا يقدم تفاصيل عن أي تدابير أخرى مرافقة.
ويطرح غياب الشرح التفصيلي سؤالًا حول شفافية القرارات المنظمة للعمل الصحفي، إذ يحتاج الجمهور إلى معرفة المخالفات المنسوبة إلى أي مؤسسة، إن وجدت، والمعايير التي تحكم السماح لها بالعمل أو إيقافه.
قطيعة دبلوماسية تتبعها إجراءات متلاحقة
أعلنت الجزائر في العاشر من سبتمبر الجاري قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، وقالت وزارة الخارجية إن الخطوة جاءت بعد استنفاد المساعي الرامية إلى الحفاظ على العلاقات الثنائية بين البلدين ومنع تدهورها.
وحملت الخارجية الجزائرية الجانب الإماراتي مسؤولية ممارسات وصفتها بأنها استفزازية أو عدائية، وهي اتهامات تعبر عن الموقف الرسمي الجزائري، ولا تعني وحدها إثبات جميع الوقائع التي قد تكون محل خلاف.
وأبلغت السلطات الجزائرية السفير الإماراتي بقرار قطع العلاقات، ومنحته مهلة ثمان وأربعين ساعة لمغادرة البلاد، لتنتقل الأزمة من مستوى التوتر السياسي إلى إجراءات مباشرة تطال التمثيل الدبلوماسي وقنوات التواصل الرسمية.
وامتدت التدابير المعلنة إلى المجال الجوي، إذ قررت الجزائر إغلاق أجوائها أمام الطائرات الإماراتية، مع استثناء محدد للرحلات التجارية المدنية القادمة من مطار هواري بومدين الدولي أو المتجهة إليه حتى نهاية العام.
ويكشف هذا الاستثناء أن الإجراءات لم تصدر بصيغة إغلاق شامل وفوري لجميع الرحلات المدنية، وهي نقطة أساسية لفهم نطاق القرار، وتجنب الخلط بين القيود المعلنة وبين وقف حركة السفر بالكامل.
وفي المقابل، عبرت الخارجية الإماراتية عن أملها في أن تكون القطيعة مؤقتة، وأكدت أهمية الحفاظ على الروابط الأخوية، بما يظهر اختلافًا بين لهجة القرار الجزائري والرد الإماراتي المعلن على الخطوة.
وتضع هذه التطورات العمل الإعلامي أمام اختبار الاستقلال عن الخلافات الحكومية، فكلما امتدت المواجهة إلى مكاتب القنوات، ازدادت الحاجة إلى توضيح الحدود بين تنظيم النشاط الصحفي وتداعيات النزاع الدبلوماسي المتصاعد.
مقابلة الهوية تعود إلى الواجهة
سبقت القرار أزمة أثارتها مقابلة أجرتها القناة في مايو 2025 مع المؤرخ محمد الأمين بلغيث، تناول خلالها الأمازيغية وأصول البربر، وأطلق تصريحات فجرت انتقادات في الأوساط السياسية والثقافية والإعلامية الجزائرية.
وربط بلغيث الأمازيغية بمشروع أيديولوجي ذي خلفيات صهيونية وفرنسية، كما قدم تصورًا يعتبر البربر عربًا قدماء، وهي أطروحات أثارت اعتراضات بسبب ما انطوت عليه من مساس بمكون أساسي للهوية الجزائرية.
وأعلنت نيابة الجمهورية فتح تحقيق ابتدائي وتوقيف بلغيث عقب انتشار مقطع المقابلة، معتبرة أن التصريحات تمس الوحدة الوطنية وثوابت الأمة، وتنتهك المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري والمكرسة في الدستور.
وتوضح استعادة تلك الواقعة أن علاقة القناة بالسلطات الجزائرية كانت محاطة بحساسيات سابقة، لكن تحويل المقابلة إلى سبب مؤكد لسحب الاعتماد يحتاج إلى إعلان رسمي يربط الواقعتين، وهو ما لم يتضمنه المنشور.
وتفتح القضية نقاشًا أوسع بشأن مسؤولية المؤسسات الإعلامية عند تناول مسائل الهوية، وضرورة إخضاع الادعاءات التاريخية للتدقيق والمساءلة المهنية، مع الحفاظ على مساحة للنقاش العام لا تتحول إلى تحريض أو إقصاء.
ويبقى سحب الاعتماد حلقة جديدة في أزمة متسعة، تتداخل فيها الدبلوماسية والإعلام والهوية، بينما يتوقف فهم أبعادها كاملة على نشر المبررات الرسمية وتوضيح مستقبل التغطية الصحفية وقنوات التواصل بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.

