محمد طلبة
رضوان كاتب صحافي
لعلّ أذكى الإجابات عن سؤال الكتابة على الإطلاق إجابة غابرييل غارسيا ماركيز: "أكتب لكي يحبّني أصدقائي". والمدهش أنّ ماركيز قال ذلك قبل وسائل التواصل الاجتماعي. تحتاج هذه الإجابة إلى مقال وحدها، ولكن في سياق آخر، أمّا هنا فالسؤال: لماذا يدعم بعض المصريين الحوثي؟ ومن قبله حزب الله وإيران، وكلّ من يقدّم نفسه، صدقًا أو كذبًا، في مشهد القضية الفلسطينية؟
يأتي السؤال في ذكرى بليغ حمدي، فأحكي لصديقي عن حارة رأفت التي نشأ فيها بليغ، ولماذا كانت أحد أوجه عبقريته أنّه ابن هذه الحارة وهذا الحيّ، شبرا مصر، فيغضب ويصرّ على السؤال، فيما أصرّ على بليغ.
ثمّة معنى من وراء بليغ وموسيقاه، لكن ما معنى أن نناقش تعاطف المصريين مع أيّ أحد؟ المصريون "فقرا أوي" كما يصفهم رئيسهم، فيما المتصارعون حول اليمن أو فيه أغنياء جدًّا، وحين أراد أحدهم اشترى لمصر ثورة مضادّة بعساكرها، وأنجحها، وأركبها على ظهور مئة مليون مصري، فلماذا ينشغل الأكثر مالًا وأعزّ نفرًا وغفرًا بـ" الفقير أوي"؟ يجيب صديقي: أسألك عن السياسة، عن المصالح، عن دخل قناة السويس، عن مصلحة البلد، لماذا لا يفهمون؟
مشكلة صديقي، وغيره من المثقّفين المغفَّلين، أنّ قدرتهم على التعبير عن أفكارهم أحيانًا، وعلى تبريرها دائمًا، أورثتهم تعاليًا أجوفَ على من يعتقدون أنّهم "عوام"، فيما لا يقلّ أكثر العوام عن أكثر المثقّفين وعيًا، ليس بالضرورة بالكتب، ولكن بالتجربة والحدس المدرّب والقديم.
يعرف العوام عن إيران ومشروعها وأذرعها ما يكفي، أخبرهم عمرو أديب في شاشات السعودية، وشخط فيهم إبراهيم عيسى لينوّرهم تنويرًا متنوّرًا في شاشات الإمارات. ولأنّهم عوام، فهم يتعلّمون بالتجربة، وتجاربهم مع الشاشات التي تقول الشيء ونقيضه، والصحافيين الذين يقولون الشيء ونقيضه، والإعلاميين الذين يقولون الشيء ونقيضه، لا تشجعهم إلّا على تكذيب هذا الخطاب كلّه، واحتقاره كلّه، وتجاوزه كلّه، وتبنّي نقيضه كلّه، إمّا نكاية، أو لأنّ للنقيض "معنى".
سحبت الأنظمة العربية، وفي مقدّمتها النظام المصري الحالي، من حيوات الناس ما لا يقلّ أهمّيةً عن الماء والهواء: "المعنى". سحبته وصادرته ومنعت أصحابه وسجنتهم وأخفتهم، وقتلتهم حين لزم الأمر. أن يكون لصوتك أثر، ولمشاركتك نتيجة، ولوجودك قيمة. وصف فيكتور فرانكل حاجة الإنسان إلى ذلك كلّه بـ"إرادة المعنى"، فلا يمكنك أن تنتزع من الإنسان إرادته ومعنى وجوده، وتخبره إنّ صوته بلا قيمة، واختياره بلا قيمة، واعتراضه بلا قيمة، ثمّ تطلق عليه السيّد محسن ممتاز ليشحنه: "قناة السويس يا ليفي… مصلحتك يا ليفي… وطنك يا ليفي". أيّ مصلحة؟ وأيّ وطن؟ يعرف المصري تاريخ القناة: حفرها وتأميمها وعبورها، لكنّه لا يعرف أين يذهب دخلها، ولا يرى أثره في حياته. ومن ثمّ، لا معنى. كلمتان، احفظهما: لا - معنى.
إيران وحزب الله والحوثيون قوى دينية؟ فعلًا؟ ليست مدنية وديمقراطية مثل أنظمتنا العربية؟ طائفية؟ ليست علمانية ومتنوّرة مثل أنظمتنا؟ فاشية وتوسّعية؟ ليست طيّبةً وتحبّ جيرانها مثلنا؟ أبوية وذكورية؟ غيرنا؟ ارتكبت جرائم بشعة في سورية واليمن؟ على عكس الأنظمة "الوطنية" التي حافظت على شعوبها ولم تقصفها بالطيران والبراميل؟ وعلى عكس أنظمة الخليج التي احترمت ثورات الشعوب وتطلّعاتها نحو الحرية والديمقراطية؟
بصّ يا صديقي: كشف جرائم خصمك لا يمنحك البراءة، كما أنّ فقدانك المصداقية لا يجعل خصمك صادقًا، لكنّه يجعل قدرتك على إقناع الناس بكذبه تحت الصفر. هل تذكر مشاعر المصريين تجاه حزب الله بعد حرب تمّوز (2006)؟ 56% من المصريين كانوا ينظرون إلى حزب الله بإيجابية، وفق استطلاع لمركز بيو للأبحاث 2007، وهو المركز الذي أجرى الاستطلاع نفسه في 2014 ليجد أنّ 83% من المصريين ينظرون إلى الحزب بسلبية، ما الذي تغيّر؟
يتابع المصريون يوميًا من يواجه الولايات المتحدة وإسرائيل، عدوّهم، فيجدون "معنى". ومن ثمّ فالسؤال ليس: لماذا يدعم بعض المصريين الحوثي؟ بل: من ترك المصريين يبحثون عن معنى ولو بين أنياب خنزير؟

