أعاد مصطفى مدبولي إشعال النقاش حول مصداقية الخطاب الحكومي عن الأجور، بعدما حصر تصريحاته بشأن رواتب الفنيين والمهندسين في مصانع محددة، خلال زيارته كفر الشيخ، السبت 12 سبتمبر، عقب الجدل الذي أثارته الأرقام.
لكن التوضيح لم يغلق الملف؛ إذ بقي السؤال الأكثر إحراجًا للحكومة: لماذا تتصدر الرواتب الاستثنائية واجهة الحديث الرسمي، بينما يكشف اعتراض نقابة المهندسين عن دخول متدنية وأوضاع وظيفية تستدعي المعالجة والمساءلة؟
أرقام براقة يصححها واقع المهندسين
بدأت الواقعة خلال جولة رئيس الوزراء بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، عندما تحدث عن أجور تصل إلى 14 و15 ألف جنيه لخريجي التعليم الفني بعد سنوات عمل، ورواتب بين 25 و30 ألفًا لمهندسين حديثي التخرج.
وفي كفر الشيخ، قال مدبولي إن حديثه تعلق بمنطقة صناعية ومصانع بعينها، وإن تصريحاته تعرضت للاقتطاع من سياقها، مؤكدًا أنه لم يقدم هذه المبالغ باعتبارها متوسطًا عامًا لأجور الخريجين في مصر.
وبالتالي، فالدقة تقتضي اعتبار ما حدث توضيحًا لنطاق التصريح، وليس إلغاءً لشريحة أجور مقررة؛ لكن ذلك لا يعفي الحكومة من مسؤولية تقديم صورة متوازنة، تتجاوز انتقاء النماذج الأكثر ملاءمة لرسالتها الدعائية.
وجاء الاعتراض المباشر من الدكتور المهندس محمد عبدالغني، نقيب المهندسين، الذي اعتبر الأرقام المطروحة بعيدة عن واقع قطاعات واسعة، وتحتاج إلى تدقيق، مشيرًا إلى أن الرواتب المرتفعة تمثل حالات خاصة ونادرة.
وبحسب بيان النقابة، تتراوح رواتب عشرات الآلاف من مهندسي الحكومة وقطاع الأعمال بين أربعة وتسعة آلاف جنيه، بينما تتراوح رواتب بالقطاع الخاص بين ستة وأحد عشر ألفًا، وفق التقديرات التي عرضها النقيب.
هذه المقارنة تضع المسؤول التنفيذي أمام فجوة لا تعالجها الإحالة إلى سوء الفهم؛ فوجود مهندس يحصل على راتب مرتفع لا يلغي أوضاع زملائه، ولا يصلح وحده أساسًا لتقييم نجاح سياسة التشغيل.
كما أن مبلغ 15 ألف جنيه للفنيين ارتبط بفترة عمل سابقة، ولم يكن وعدًا براتب موحد لكل حامل دبلوم فور تخرجه؛ وهو تفصيل جوهري لفهم حدود الأرقام التي أثارت النقاش العام.
المشكلة السياسية هنا أن الحكومة تملك منصة واسعة لعرض نجاحاتها، لكنها مطالبة بالوضوح نفسه عند عرض أوجه القصور؛ وإلا تحولت الجولات الميدانية إلى واجهات انتقائية، تترك الأغلبية خارج الصورة الرسمية المعلنة.
التضخم يلتهم قيمة الرواتب المعلنة
لا تنتهي أزمة الأجور عند التحقق من وجود راتب معين داخل مصنع؛ إذ يبقى الأهم مقدار ما يوفره لصاحبه من غذاء وسكن وانتقال وعلاج، بعد استقطاع الالتزامات الأساسية من دخله الشهري.
وفي قراءة سابقة لسياسات الأجور، انتقد إلهامي الميرغني، الخبير الاقتصادي وعضو المكتب السياسي لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، اعتبار الزيادة الاسمية دليلًا كافيًا على التحسن، مؤكدًا أن ارتفاع الأسعار يبدد مكاسب العاملين.
وأوضح الميرغني، في مارس 2025، أن رفع الحد الأدنى من ستة إلى سبعة آلاف جنيه لم يمنع تراجع القدرة الشرائية، مستندًا إلى مقارنة الزيادة بتغير أسعار سلع أساسية تعتمد عليها الأسر.
وهذا رأي سابق يتعلق بسياسة الأجور، وليس تعليقًا مباشرًا منه على زيارة كفر الشيخ؛ لكنه يقدم معيارًا ضروريًا لتقييم الخطاب الحكومي: قيمة الراتب تُقاس بما يشتريه، لا ببريق الرقم عند إعلانه.
ومن هذا المنظور، يصبح الاحتفاء برواتب مختارة ناقصًا دون بيان ساعات العمل، وطبيعة التعاقد، وتكاليف الانتقال والإقامة، وما إذا كانت الأرقام تشمل الحوافز والعمل الإضافي أو تعبر عن أجر ثابت مضمون.
فالعامل الذي يستهلك جانبًا معتبرًا من دخله للوصول إلى موقع بعيد، أو يعتمد على حوافز متغيرة، لا يمكن مقارنة وضعه تلقائيًا بعامل يحصل على الراتب نفسه بالقرب من مسكنه وبعقد مستقر.
ولا يكفي تشجيع الأسر على توجيه أبنائها للتعليم الفني؛ فالرسالة تصبح مقنعة حين تقترن بفرص معلنة وشروط واضحة وتدريب متاح، بما يسمح للخريجين باختبارها عمليًا بدل الاكتفاء بسماعها في مؤتمر صحفي.
أما تحميل الشباب مسؤولية عدم اللحاق بالنماذج الناجحة، فيتجاهل مسؤولية الدولة عن تهيئة سوق عادل؛ إذ لا يجوز تقديم الاستثناء بوصفه فرصة متاحة للجميع دون كشف حجم الطلب الحقيقي وشروط الالتحاق.
وتظل الحكومة مطالبة بالإجابة عن سؤال محدد: كم خريجًا يحصل بالفعل على هذه الدخول، من إجمالي الباحثين عن عمل؟ فالنسبة وتوزيع الفرص أكثر دلالة من أعلى راتب تسمعه خلال جولة.
غياب المحاسبة يعمق أزمة الثقة
في تقييم سابق لأداء الحكومة، انتقد الدكتور جودة عبدالخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ووزير التموين الأسبق، ضعف المجموعة الاقتصادية، معتبرًا أن نتائج السياسات لم تتحول إلى تحسن ملموس في حياة المواطن.
وربط عبدالخالق، في سبتمبر 2025، استمرار هذا الأداء بضعف الرقابة والمساءلة، منتقدًا التوسع في الاقتراض، ومطالبًا بمحاسبة الحكومة على إخفاقاتها الاقتصادية؛ وهي مواقف سابقة، وليست تصريحات بشأن واقعة الرواتب الحالية تحديدًا.
وتساعد هذه القراءة على فهم جوهر الأزمة الراهنة: حين يصبح الدفاع عن صياغة التصريح أهم من مناقشة الفجوة التي كشفها، تتراجع المحاسبة لصالح إدارة الانطباع، ويبقى العامل وحده أمام أعبائه اليومية.
فالمطلوب من الحكومة يتجاوز إثبات صحة رواية عامل قابلته؛ إذ يشمل تقديم بيانات قابلة للفحص عن توزيع الأجور، واستقرار الوظائف، ومدى استفادة الخريجين من المشروعات التي تُعرض باعتبارها دليلًا على النجاح.
وتستدعي ملاحظات نقابة المهندسين ردًا مؤسسيًا واضحًا، يتناول التعيين والحقوق المهنية والأجور؛ فلا يجوز اختزال اعتراض جهة تمثل أصحاب المهنة في مشكلة تداول إعلامي، أو الاكتفاء بتكرار أن التصريحات أُسيء فهمها.
كذلك، فإن تشجيع الصناعة والتدريب هدف يمكن الدفاع عنه، لكن نجاحه يحتاج إلى شروط عمل تحفظ الكرامة؛ فالخريج لا يبحث عن عنوان متفائل، وإنما عن فرصة يستطيع بناء مستقبل مستقر عليها.
ومن حق الجمهور مساءلة رئيس الوزراء عن دلالة الأرقام التي يختار إعلانها، مثلما يحق له توضيح سياقها؛ فالمساءلة ليست تشويهًا للإنجاز، وإنما اختبار لمدى اتساق الخطاب العام مع الوقائع القابلة للتحقق.
ولذلك، لا تنتهي المسؤولية عند مؤتمر كفر الشيخ؛ بل تبدأ بإعلان خطوات لمعالجة تدني الأجور وضعف الاستقرار الوظيفي، وفتح نقاش جاد مع ممثلي العاملين، بدل ترك الاعتراضات تتراكم حتى تنفجر علنًا.
لقد كشف جدل الـ15 والـ30 ألف جنيه حدود الاكتفاء بالنماذج اللامعة لتسويق السياسة الاقتصادية؛ فالحكومة لن تستعيد الثقة بتضييق معنى تصريحاتها، وإنما بتوسيع دائرة المستفيدين، وتقديم نتائج يلمسها المواطن في حياته.

