تقاس نهضة أي مجتمع بمستوى تعلُّم أبنائه، فكلما ارتفع مستوى التعليم فيها وتراجعت نسبة الأمية والتسرب من التعليم فيها كلما دل ذلك على تطورها. وتعد مصر من الدول التي تعاني من ظاهرة التسرب من التعليم، والتي تُوصف رسميًا بأنها "الباب الخلفي للأمية".
وعلى الرغم من الإحصاءات الرسمية الأخيرة الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعامي 2024/2025 التي تشير إلى تراجع طفيف في النسب الإجمالية، لكن التحدي لا يزال قائمًا. ووفقًا للبيانات الرسمية لعام 2024/2025، جاءت معدلات التسرب في مراحل التعليم الأساسي كالآتي:
مرحلة الابتدائية: بلغت نسبة التسرب 0.2% (مقارنة بـ 0.3% في العام السابق)، وترتفع النسبة قليلاً بين الذكور مقارنة بالإناث في هذه المرحلة. مرحلة الإعدادية: انخفضت النسبة لتسجل 0.5% (مقارنة بـ 0.7% في العام السابق)، لكنها ترتفع في هذه المرحلة بين الإناث لتصل إلى 0.5% مقارنة بـ 0.4% للذكور.
الأسباب الاقتصادية
تتداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية لتدفع الطلاب خارج المنظومة التعليمية:
العوامل الاقتصادية: يُعد الفقر وانخفاض دخل الأسرة العائق الأبرز؛ حيث تعجز بعض الأسر عن تحمل المصاريف المدرسية والدروس الخصوصية، مما يضطرها إلى دفع الأطفال (خاصة الذكور) إلى "سوق العمل المبكر" للمساعدة في إعالة الأسرة.
تتمثل الضغوط المادية التي تمارسها البيئة الاقتصادية على الأسرة والطالب في:
ارتفاع التكلفة غير المباشرة للتعليم: على الرغم من مجانية التعليم دستوريًا، إلا أن المصاريف المتعلقة بالملابس المدرسية، الأدوات، وسائل النقل، والعبء الأكبر المتمثل في الدروس الخصوصية، تجعل التعليم عبئًا ماليًا لا تطيقه الأسر محدودة الدخل.
تدني مستوى دخل الأسرة (الفقر المدقع): تضطر الأسر الواقعة تحت خط الفقر إلى ترتيب أولوياتها لتأمين الاحتياجات الأساسية (المأكل والمسكن) على حساب التعليم.
عائد الاستثمار التعليمي المؤجل: ترى بعض الأسر الفقيرة أن العائد الاقتصادي من التعليم أصبح ضعيفًا أو مؤجلاً بسبب أزمة البطالة، وبالتالي يفضلون توجيه أبنائهم لتعلم حرفة تضمن دخلاً سريعًا.
عمالة الأطفال: يُدفع الأطفال (خاصة في المرحلة الإعدادية) إلى سوق العمل الشاق (الورش، الزراعة، البناء، قيادة التوك توك) لزيادة دخل الأسرة والوفاء بالتزاماتها المعيشية اليومية.
الأسباب الاجتماعية والثقافية
تتعلق بالبنية الفكرية والظروف الأسرية المحيطة بالطالب، وتتضمن:
التفكك الأسري: يُعد انفصال الوالدين، أو كثرة النزاعات المنزلية، أو وفاة أحد الأبوين، من أقوى الأسباب التي تؤدي إلى غياب المتابعة والرقابة الأبوية، مما يمنح الطالب فرصة للغياب المتكرر ثم الانقطاع التام.
الموروث الثقافي والنظرة النمطية للمرأة: في بعض المناطق الريفية والقبلية، يسود اعتقاد بأن التعليم غير ضروري للفتاة، مما يعجل بـ الزواج المبكر للفتيات للتخلص من أعبائهن المادية.
ارتفاع حجم الأسرة (كثرة الإنجاب): مع زيادة عدد الأبناء في الأسرة الواحدة، يعجز الآباء عن تقديم الدعم المالي والنفسي المتساوي لجميع الأبناء، وغالباً ما يتم التضحية بتعليم أحدهم (أو الإناث منهم) لصالح الآخرين.
تدني المستوى الثقافي والتعليمي للوالدين: انتشار الأمية بين الآباء والأمهات يُضعف من إدراكهم لقيمة التعليم ومستقبل الأبناء، وبالتالي يقل حماسهم لإجبار أبنائهم على الانتظام في المدارس عند مواجهة أولى عقبات الرسوب أو التعثر الدراسي.
التوزيع الجغرافي لظاهرة التسرب في مصر
تتوزع ظاهرة التسرب من التعليم في مصر بجغرافية متباينة؛ حيث ترتبط المناطق الأكثر تأثراً ارتباطًا وثيقًا بمعدلات الفقر، والكثافة السكانية، والعادات الثقافية، ومدى توافر الخدمات التعليمية.
وتصنف التقارير الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المناطق الأكثر تأثرًا إلى الأقاليم والمحافظات التالية:
1- (محافظات الصعيد (الوجه القبلي)
تأتي محافظات جنوب مصر في صدارة المناطق المتأثرة بالتسرب، وتحديداً في المرحلة الإعدادية، وذلك لارتفاع معدلات الفقر والعادات المرتبطة بالزواج المبكر وعمالة الأطفال:
أسيوط: تُصنف كواحدة من أعلى المحافظات في نسب التسرب بالمرحلة الإعدادية؛ ويُعزى ذلك مباشرة إلى كونها من بين المحافظات الأكثر فقرًا في التعدادات الإحصائية.
سوهاج والمنيا وقنا: تأتي هذه المحافظات في مراكز متقدمة من حيث الأعداد الإجمالية للمنقطعين. كما تشير تقارير هيئة الأبنية التعليمية إلى وجود مئات "المناطق المحرومة" تمامًا من مدارس التعليم الأساسي داخل القرى والنجوع التابعة لها.
الفيوم: تُعد من النقاط الساخنة التي تعاني من كثافة أعداد المتسربين، مما دفع المجتمع المدني للتوسع فيها عبر "المدارس المجتمعية" لعلاج الأزمة.
2-المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية والأطراف الريفية
تتصدر بعض المحافظات الكبرى من حيث العدد الإجمالي المطلق للمتسربين نتيجة التضخم السكاني والجيوب الريفية التابعة لها:
الجيزة: تحتل المرتبة الأولى من حيث أعداد المتسربين (خاصة في المرحلة الابتدائية)؛ وترتكز الظاهرة بشكل حاد في مراكزها الريفية وأطرافها مثل (أطفيح، وأبو النمرس، والصف، ومنشأة القناطر) بسبب انخراط الأطفال في الأنشطة الزراعية والحرفية وارتفاع معدلات العوز المادي.
البحيرة: تأتي في صدارة المحافظات الأكثر تسربًا في المرحلة الإعدادية على مستوى الوجه البحري.
القاهرة والإسكندرية: تسجلان أعدادًا مرتفعة في حالات انقطاع الإناث بالمرحلة الابتدائية داخل المناطق العشوائية والحضرية الأكثر احتياجًا.
3-المحافظات الحدودية والنائية تتأثر هذه المناطق بطبيعتها الجغرافية والقبلية:
مطروح: تسجل نسبًا مرتفعة مقارنة بعدد سكانها، لا سيما في المرحلة الابتدائية؛ حيث يلعب البُعد الجغرافي الشديد للمدارس عن التجمعات البدوية وتشتت السكان دورًا أساسيًا في صعوبة وصول الأطفال للفصول.

