يستخدم البعض وصف «الفلاح» كإهانة مقصودة، في اختزال متعمد لمهنة تنتج الغذاء وتحمي الأرض، بينما تكشف هذه الممارسة عن نظرة طبقية تحتقر الريف وأهله.
وتتحول السخرية من الفلاح إلى تنمر اجتماعي واضح عندما يصبح الأصل الريفي أو المهنة الزراعية معيارًا للحكم على التعليم والتحضر والمكانة، بدلًا من احترام الإنسان.
إهانة تكشف طبقية المجتمع
وبالتالي، فإن ترديد عبارة «أنت فلاح» بهدف الانتقاص لا يمثل مجرد مزحة عابرة، بل يعكس اعتقادًا بأن الريفي أقل قيمة من غيره.
كما أن استخدام اللفظ للسخرية يضع المهنة الزراعية في مواجهة مصطنعة مع التعليم والثقافة، وكأن العمل بالأرض دليل تلقائي على الجهل والتأخر.
لذلك، تتجاوز الإهانة شخصًا بعينه، لأنها تستهدف خلفية اجتماعية كاملة، وتعيد إنتاج تصور قديم يقسم المصريين بين سكان المدن وسكان القرى.
ومن ثم، يصبح التنمر وسيلة لترسيخ ترتيب اجتماعي وهمي، يمنح المتنمر شعورًا بالتفوق لمجرد امتلاكه أسلوب حياة مختلفًا أو إقامة داخل المدينة.
وعلاوة على ذلك، فإن هذا التصنيف يتجاهل حقيقة أن الريف المصري يضم أطباء ومهندسين ومدرسين وأساتذة جامعات وأصحاب أعمال في مجالات متعددة.
وفي المقابل، ينحدر عدد كبير من سكان المدن أصلًا من قرى ريفية، بما يجعل الفصل الحاد بين «المدني» و«الفلاح» غير منطقي اجتماعيًا.
كما أن أبناء القرى الذين ينتقلون إلى المدن قد يواجهون سخرية مرتبطة بلهجتهم أو ملابسهم أو طريقة حديثهم، وليس بمستواهم الحقيقي.
وبالتالي، قد يجد الشاب الريفي نفسه مضطرًا إلى إخفاء أصله أو تجنب الحديث عن قريته، خشية التعرض لتعليقات تقلل من شأنه.
وتزداد المشكلة خطورة عندما تنتقل هذه الممارسات إلى المدارس والجامعات ومواقع العمل، حيث يمكن أن تتحول السخرية المتكررة إلى ضغط اجتماعي مستمر.
السوشيال ميديا تعيد إنتاج الصورة
غير أن مواقع التواصل الاجتماعي منحت التنمر على الفلاح مساحة أوسع، بعدما أصبحت النكات والمقاطع الساخرة قادرة على الوصول إلى أعداد ضخمة من المستخدمين.
كما أن المحتوى الساخر يمكن أن ينتشر بسرعة شديدة، فيمنح صورة مشوهة عن الفلاح حضورًا أكبر من حجمها الحقيقي داخل المجتمع.
وتوضح الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة بنها، أن المتنمر لا يستهدف المهنة نفسها، وإنما الرمز الاجتماعي المرتبط بها في ذهنه.
وترى منصور أن عبارة «أنت فلاح» تتحول إلى أداة لإثبات تفوق اجتماعي متخيل، يقوم على ربط التحضر بالمدينة، والتخلف بالريف.
وبحسب هذا التفسير، فإن المتنمر لا يكتفي بإطلاق وصف، وإنما يحاول تحديد موقع الشخص الآخر داخل سلم اجتماعي وهمي.
وتشير هذه النظرة إلى مشكلة أوسع، تتمثل في اختزال جماعات بشرية كاملة داخل صفات ثابتة، ثم التعامل مع تلك الصفات باعتبارها حقائق.
وفوق ذلك، تؤدي إعادة تداول النكات والصور النمطية إلى تثبيت شخصية كاريكاتورية للفلاح، تتكرر في الذاكرة العامة حتى تصبح مألوفة.
لذلك، لا يعود الطفل أو الشاب قادرًا دائمًا على التمييز بين الصورة الساخرة والحقيقة، خصوصًا عندما يسمعها بصورة متكررة من محيطه.
وبالتالي، يمكن أن يتحول المحتوى الرقمي من مجرد ترفيه إلى وسيلة لإعادة إنتاج تمييز اجتماعي ضد فئة واسعة من المصريين.
كما أن مشاركة المحتوى المسيء دون اعتراض تمنحه قبولًا ضمنيًا، وتدفع آخرين إلى تكرار السلوك باعتباره أمرًا طبيعيًا لا يستحق المساءلة.
الفلاح في قلب الاقتصاد
في المقابل، تكشف بيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار عن الوزن الكبير للعاملين في الزراعة وصيد الأسماك داخل سوق العمل المصري.
وتشير البيانات إلى أن العاملين في النشاط الزراعي وصيد الأسماك يمثلون نحو 20.5% من إجمالي العاملين في مصر.
وهذا الرقم وحده يكشف التناقض بين حجم الدور الاقتصادي للفلاح وبين الصورة المهينة التي يحاول البعض إلصاقها به في الحياة اليومية.
فالعمل الزراعي لا يرتبط فقط بزراعة المحاصيل، وإنما يتصل مباشرة بتوفير الغذاء واستمرار الإنتاج وحماية الأراضي الزراعية من التآكل.
كما أن تراجع قيمة المهنة في نظر الأجيال الجديدة قد يخلق مشكلة مستقبلية، إذا أصبح العمل الزراعي مرتبطًا في أذهانهم بالفشل أو قلة التعليم.
ومن ثم، فإن السخرية من الفلاح تحمل رسالة خطيرة، مفادها أن النجاح الاجتماعي يتحقق بالابتعاد عن الأرض والعمل الزراعي.
وهذه الرسالة تتجاهل أن الزراعة تحتاج إلى معرفة وخبرة وإدارة ومتابعة للأسواق والأسعار والطقس وطرق الري والتعامل مع الآفات.
علاوة على ذلك، أصبح القطاع الزراعي يعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا والبيانات والمعدات الحديثة، وهو ما ينفي الصورة القديمة التي تختزل الفلاح في العمل التقليدي.
كما أن الفلاح يواجه أعباء اقتصادية وضغوطًا متعلقة بتكاليف الإنتاج والأسمدة والمياه والطاقة وأسعار مستلزمات الزراعة، وهي قضايا تتجاوز فكرة السخرية بكثير.
وبالتالي، فإن تحويل الفلاح إلى مادة للضحك يحجب مشكلات حقيقية يعيشها قطاع كامل، بدلًا من مناقشة أوضاعه واحتياجات العاملين فيه.
وتزداد المفارقة عندما يستخدم الشخص منتجات غذائية ينتجها الفلاح يوميًا، ثم يعتبر المهنة نفسها دليلًا على انخفاض قيمة صاحبها اجتماعيًا.
ومن هنا، تصبح مواجهة التنمر ضرورة اجتماعية، ليس دفاعًا عن فئة مهنية فقط، وإنما لمنع ترسيخ فكرة أن قيمة الإنسان تحددها مهنته أو مكان نشأته.
كما أن القانون المصري يتعامل مع بعض صور التنمر باعتبارها سلوكًا مجرمًا، خصوصًا عندما تستهدف أفعال التنمر شخصًا بسبب صفات أو اعتبارات حددها القانون.
وبحسب ظروف كل واقعة، يمكن أن تخضع الإهانة المتعمدة والتقليل من شأن الشخص للمساءلة، خصوصًا إذا تجاوز الأمر المزاح إلى استهداف واضح ومتكرر.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع عبارة «أنت فلاح» باعتبارها إهانة طبيعية، عندما يكون المقصود منها الحط من الكرامة أو الإقصاء الاجتماعي.
وفي النهاية، يبقى التناقض صارخًا بين مجتمع يحتاج إلى الفلاح لإنتاج غذائه، وممارسات اجتماعية تحاول تصوير مهنته باعتبارها عيبًا يستوجب الخجل.
فالريف ليس مرادفًا للجهل، والزراعة ليست دليلًا على ضعف التعليم، والفلاح ليس شخصية هزلية، وإنما عامل أساسي داخل منظومة اقتصادية وغذائية واسعة.
وتكشف ظاهرة التنمر في جوهرها عن مشكلة تتجاوز الكلمات، لأنها تعيد إنتاج تقسيم اجتماعي يمنح بعض الناس شعورًا بالتفوق ويحط من آخرين بلا مبرر.

