عمر سمير
كاتب وباحث مصري
قبل أسبوعين وبعد اجتماعات إقليمية مشبوهة بشأنه، تسارعت وتيرة الأحداث والتطورات الميدانية في السودان، بعد قيام قوات الدعم السريع باستهداف ولايات النيل الأزرق وتوسّعها في استخدام المسيرات في استهداف البنية التحتية بالسودان، الذي يعاني من تدهور حاد في الخدمات العامة وخاصة الكهرباء ومياه الشرب والنقل والمواصلات، وتداخلت في الأحداث قوى إقليمية ومحلية جديدة، سواء بانشقاق مئات من عناصر الدعم السريع أم بظهور مجموعات مسلحة جديدة وإعلانها عن نفسها، الأمر الذي يزيد من كارثية تبعات هذا الصراع الممتدّ، وتبعاته العابرة الحدود والإقليم سواء في شرق أفريقيا أو شمالها أو وسطها. في 24 أغسطس الماضي، وعلى وقع تلك التطورات، اقترحت واشنطن توسيع حظر الأسلحة ليشمل السودان بأكمله، ومن المقرّر أن ينتهي حظر توريد الأسلحة إلى دارفور والمفروض منذ أكثر من عقدين في 12 سبتمبر 2026، إذا لم يتم التوصل إلى قرار جديد بشأنه، ويتطلب توسيع حظر توريد الأسلحة ليشمل السودان بأكمله تصويتًا في مجلس الأمن. وهنا تختلف وجهات النظر الإقليمية والدولية، إذ ترى روسيا وحلفاء الجيش السوداني أن هذا الحظر سيؤثر في الجيش السوداني نفسه، وترفضه تصريحات عدة لمسؤولين حكوميين سودانيين.
وعلى الرغم من أن الأوضاع قبيل هذين الأسبوعين كانت تسير في اتجاهٍ متفائلٍ بحلحلة الوضع وخفض التصعيد، جراء تكثيف لجنة تهيئة الحوار السوداني ـ السوداني، جهودها، وإعلانها أخيرًا عن ترتيبات لعقد اجتماع مهم مع الآلية الخماسية، التي تضم، إلى جانب الأمم المتحدة، ممثلين للاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (الإيقاد)، والمبعوثين الخاصين للاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، لشرح رؤيتها بشأن جهودها الرامية إلى تهيئة المناخ للحوار، وتأكيد عزمها التواصل مع القوى السياسية، وإجراء مشاورات استباقية مع أطراف الأزمة، تركز على خفض التصعيد وحماية المدنيين، فإن أطرافًا إقليمية معروفة يبدو أنه لم تعجبها هذه التطورات الإيجابية.
وبطبيعة الحال، شهدنا توترات على الحدود السودانية التشادية عبر حدث قيل إنه ملاحقة الجيش السوداني مركبات ومجموعات فارّة إلى شمال شرق تشاد بعمق مائة كيلومتر من الحدود، كما شهدنا تراشقًا كلاميًا بين مسؤولين سودانيين ونظرائهم الإثيوبيين بشأن الدعم المقدم لقوات الدعم السريع، الذي سبق عملياتها في النيل الأزرق ودارفور. وتؤكد تقارير حدوث عدة اجتماعات وتنسيقًا عاليًا بين الإمارات وإثيوبيا وإسرائيل وزعماء الانقلاب في تشاد وشرق ليبيا وقوات الدعم السريع، فيما يبدو محاولة لإعادة تشكيل التحالفات داخل السودان وفي الإقليم، كما أن تعمّق هذا الدور يحوّل الحرب السودانية إلى مواجهة إقليمية مفتوحة بالوكالة، خصوصًا مع احتمالية تشكّل هذا المحور الذي يضم الإمارات وإثيوبيا وقوات الدعم السريع، ويبدو واضحًا أنه في مواجهة مصر وإريتريا والجيش السوداني، بما يزيد التوترات المرتبطة بسد النهضة، ومنطقة الفشقة، والحدود السودانية الإثيوبية، التي شهدت عدة تطورات أخيرًا.
اكتفى الموقف المصري الرسمي، كعادته، بالمطالبة بالحل السلمي، ووقف التدخلات الخارجية، فإلى متى تظل مصر تطالب بوقف التدخلات الخارجية الكارثية في دول جوارها، من دون قدرة حقيقية على فرض عدم التدخّل هذا، أو تخفيفه، أو حتى تحييد آثاره التي لا تخدم المصالح المشتركة للشعبين المصري والسوداني؟ وإلى متى لا تضع مصر خطوطًا حمراء في واحد من أهم الملفات الجيوسياسية الحساسة التي تمسّ أمنها المائي، وتتقاطع مع أزمات الأمن المائي وأمن الحدود والهجرة واللجوء والأمن في البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، في توقيت حسّاس وبيئة شديدة التعقيد؟
هل ستتدخل (ولا نقول استباقيًا لأن الوقت تأخر كثيرًا) لحماية المدنيين وفرض مناطق آمنة لهم داخل الأراضي السودانية، وهو أمر رأيناه في أكثر من أزمة بالمنطقة والعالم، أو حتى مساومة الأطراف المؤجّجة للصراع على تهدئة هذا الملف الحسّاس في توقيتٍ لا تحتمل فيه البلاد أزمة نزوح جديدة، بالإضافة للأزمة التي لم تتعاف بعد من آثارها منذ 2023، وفي ضوء كارثية الوضع الأمني في البحر الأحمر والخليج جرّاء الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران؟
وإذا كان تقرير تقصّي الحقائق الأممي الصادر في 3 سبتمبر الجاري قد أفاد بأن دعم الأطراف الخارجية وتدفق السلاح والمرتزقة يغذي الحرب المستمرة في السودان، ودعا إلى تشديد الرقابة والمحاسبة على شبكات الدعم الخارجي، كما أعلن الصليب الأحمر عن تسجيل أكثر من 11 ألف مفقود منذ بدء الصراع، بالتزامن مع تدهور شديد في شبكة الكهرباء بنسبة تصل إلى 75%، بالإضافة إلى تداعيات انهيار العملة وتصاعد أزمة النزوح في إقليم كردفان، وعدم وجود مناطق إيواء في ولايات النيل ومدن النيل الأزرق، واحتمالية تفاقم أزمة النزوح والهجرة من جديد، فهل من الحكم والكياسة أن تكتفي مصر بدور المناشدات والإدانات الأقرب لدور هذه المؤسّسات الدولية التي ينادي مسؤولوها من بعيد استجداء للمجتمع الدولي والضمير الإنساني؟
صحيح أن مصر أكدت في كلمتها أمام مجلس الأمن في 25 الشهر الماضي (أغسطس) رفضها القاطع أي محاولات لفرض أشكال موازية للسلطة، أو تقسيم السودان، أو المساواة بين مؤسّسات الدولة السودانية والمليشيات المتمرّدة، وشدّدت على أن الأولوية القصوى هي إنهاء الحرب بشكل عاجل، والحفاظ على مؤسّسات الدولة الوطنية، ووحدتها وسلامة أراضيها. وواصل وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الاتصالات والمباحثات المستمرة مع نظيره السوداني، وأكد أن أي مسار سياسي يجب أن يخضع لمعيار "الرعاية والمِلكية السودانية الكافية والكاملة"، ومن دون أي تدخلات خارجية تضرّ باستقرار المنطقة، لكن هذا يبدو غير كاف في مواجهة هذه التدخلات الإقليمية الضارّة بمصر ومصالحها وأمن الإقليم برمته، ويبدو أن هذه الأطراف لا تأخذ مصر على محمل الجدّية.
في التحليل الأخير، الملف المائي والأمن القومي الإقليمي يقتضيان الربط بين أزمة السودان وأمن البحر الأحمر ومياه النيل. ولا يقتضي الموقف أن نقف عند حدود التعبير عن القلق المتزايد من اتساع رقعة الصراع، واقترابه من حدود دول الجوار، ولا سيما إقليم النيل الأزرق والحدود الإثيوبية، فالأوضاع الميدانية المتوترة جنوبًا تُحدث مخاطر وأعباء أمنية وإقليمية تمسّ الأمن القومي المصري وشبكات الحدود مباشرة. ولا يكفي أبدًا مجرّد الرفض القاطع للمشروعات الفردية على النيل، بل يقتضي أفعالًا أكثر جدّية، بحيث تؤكد مصر عمليًا ثوابتها وحقوقها التاريخية والمائية وخطوطها الحمر، ورفضها المشروع لاستغلال أزمة السودان وأزمات الشرق الأفريقي لتثبيت أمر واقع في ملف مياه النيل، أو تأجيج مزيد من النزاعات الحدودية الإقليمية المجاورة.

