عصام تليمة
من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن
تابع الناس مجريات الأحداث في قضية الشاعر والسياسي عبد الرحمن يوسف القرضاوي، والذي قضى في سجون الإمارات عاما وثمانية أشهر، وبعد وساطات لم يتم الإفصاح عن تفاصيلها بعد، سوى الشق الرسمي منها، وبقي غير الرسمي، وهو متروك لوقته وزمنه، صدر عفو رئاسي من الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات، بعد أن قضت محكمة إماراتية بحبس القرضاوي عشرة أعوام، وتغريمه مائتي ألف درهم، وهو ما يذكرنا بحكم منذ عشرين عاما، صدر ضد صحيفة إماراتية لصالح القرضاوي الأب، بعشرة ملايين درهم، ولم تنفذ السلطات الإماراتية هذا التعويض لصالح الشيخ رحمه الله، أي أن أسرة القرضاوي لها تسعة ملايين وثمانمائة ألف درهم إذا خصمنا المائتي ألف درهم الغرامة الموقعة على القرضاوي الابن.
أصدرت أسرة القرضاوي بيانا شكرت فيه كل من سعى وتوسط لإخراج عبد الرحمن القرضاوي، وبشرت بخروجه، ولكن الظنون والتخرصات كعادة من يحشرون أنوفهم في كل خبر، وفي كل شأن، وكأنهم خبراء ببواطن الأمور، بأن الإمارات ستسلمه لمصر، وكأن الإعلان عن عفو رسمي لا قيمة له، وهو ما لم يعهد من قبل، فلو أرادت الإمارات تسليمه لمصر، فلا تحتاج للإعلان عن العفو الرئاسي عنه.
فيديو القرضاوي المحذوف
ثم قام عبد الرحمن القرضاوي نفسه، بإصدار فيديو حوالي أربع دقائق ونصف، وقد نقلته جل مواقع الأخبار وصفحات التواصل الاجتماعي عنه، بعد أن نشره على صفحته، لكن الفيديو تم حذفه بعد بضع ساعات من نشره، لأسباب فنية، حيث تم الاكتفاء بإعادة نشره مكتوبا بنفس صيغته وعباراته التي بث بها في فيديو.
أكد القرضاوي في بيانه أنه ثابت على مبادئه وقيمه، وقام بشكر أسرته على صبرها ونضالها في قضايا الحق، ووجه الشكر للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والذين كان متفاعلا مع قضيته منذ بدايتها، منذ احتجازه في لبنان، حيث قام أردوغان بالاتصال برئيس وزراء لبنان آنذاك، وكلمه في عدم أحقيته احتجاز مواطن تركي، ورغم بكاء ميقاتي رئيس الوزراء آنذاك، إلا أنه سلم القرضاوي، ومنذ ذلك الحين كانت هناك تحركات من مستويات مختلفة من الدولة التركية انتهت بخروج عبد الرحمن.
ثم شكر دولة الإمارات على صدور العفو عن خصم لها، وتمنى أن يتكرر هذا السلوك من حكام آخرين مع شعوبهم، وخصومهم السياسيين، وشكر الجهود التي بذلت من أطراف أخرى، كان لها الفضل بعد الله تعالى في نجاح الوساطة لخروجه.
واتسم بيان عبد الرحمن بالشجاعة الأدبية، فما كان ينقل منذ احتجازه في الإمارات عن أسرته، أنه لم يعذب في الإمارات، ولم توجه له أية إهانة، ولم يكن من المناسب من قبل إعلان ذلك، فقد خشي الجميع أن تكون هذه معاملة مؤقتة لحين الإعلان عنها، ثم تتغير المعاملة، لكن بيان عبد الرحمن أكد أن طوال فترة حبسه لم يتلق أي لون من التعذيب البدني أو اللفظي، وهو صادق في ذلك، لا يجامل، ولا يجبر عليه، فمن يعرف شخصية عبد الرحمن يعرف عنه ذلك جيدا.
حاول البعض أن يأخذ من ملامح الصورة، أن آثار التعذيب بادية عليه، وينسى هؤلاء أن فترة طويلة في السجن بهذا الشكل، وكانت معظمها سجنا انفراديا، فهو أمر ليس هينا عليه، ولا على أي سجين، فالسجن مهما كانت درجة معاملتك فيه، ومدى حسنها، فله آثار تبدو، وهو أمر طبيعي، وليست دلالة على تعذيب، بقدر ما هي دلالة على حبس حرية الإنسان، وهذا لو كان وحده ألما في السجن لكفى.
وفاة شقيق محمد ناصر مسجونا
في نفس التوقيت، خرج خبر وفاة شقيق الإعلامي الأستاذ محمد ناصر، ولم يكن يعلم، إلا عندما أعلنت المواقع الخبر، حيث إنه كان مسجونا في سجون السيسي، وكانت تهمته أنه شقيق محمد ناصر، وكذلك حبسوا أخوين لزوجته بتهمة أنهم أصهار محمد ناصر، وهو ما يمارس مع معارضين آخرين، كحمزة زوبع، ومعتز مطر، وغيرهم.
وإذ بصفحات لمنصات إعلاميين تابعين للانقلاب كمحمد الباز وغيره، تخرج شامتة، ونسوا أنهم منذ أيام كانوا يتضايقون لأن شخصيات مظلومة عبرت عن فرحتها بمرض أحمد موسى الذي حرض عليهم، وعلى ذويهم بالقتل والإبادة، ووصفت هذه المنصات من فعلوا ذلك بقساة القلوب، وضعاف الأخلاق، ولم ينتظروا كثيرا، حتى بدت من ألسنتهم وأقلامهم أبشع أنواع الشماتة.
بل بلغ بهم الأمر، إلى إلقاء تهمة وفاة شقيقة محمد ناصر، على ناصر نفسه، بأنه هو المتسبب في وفاة أخيه، فلو لم يكن معارضا للسيسي ما مات أخوه مسجونا، وهم أنفسهم الذين يصدعون رؤوس الناس ليل نهار، بتوجيه خطابهم للمعارضين بالخارج: أن عارضوا من الداخل لو كنتم شرفاء!! ثم الآن يتهمون المعارضين بأنهم سبب وفاة أقاربهم في السجون، لأنهم يعارضون!!
لقد كان وفاة شقيق ناصر في السجن، ردا بليغا على الدعاية الكاذبة لإعلام السيسي والدراما التي يوجهها كل عام، فالمشهد الذي يتكرر في كل موسم دراما أن الداخلية المصرية لا تأخذ أقارب بجريرة أقاربهم، يأتي الواقع ليكذبه رسميا، ثم تأتي تصريحات إعلامه ليؤكد ذلك، بأن أخذ الأقارب رهائن، وعقابهم بمعارضة ذويهم، هو أمر مباح.
لماذا لا يتكرر العفو الرئاسي في بلادنا؟
العفو الرئاسي عن عبد الرحمن القرضاوي من الإمارات، ووفاة شقيق محمد ناصر في آن واحد، جعل الناس تتساءل مع تساؤل عبد الرحمن: لماذا لا تتبنى الدول مبدأ العفو، وبخاصة في القضايا السياسية التي لا يذنب فيها الرافضون لحكم الساسة وظلمهم؟ وهو ما يفتح سؤالا هنا: إذا نجحت وساطات في إخراج مسجون مصري تركي في سجون الإمارات، هل يمكن أن تتكرر هذه التجربة في محاولات أخرى مع مسجونين مصريين؟
هناك مساعي من قبل، لبعض شخصيات خليجية، في أحكام متعلقة بالمسجونين في مصر، ووفقت في مساحة معينة، فلم لا يكون هناك مساعي في قضايا أخرى، والحد من الاحتقان الذي يزداد يوما بعد الآخر في مصر بسبب المظالم المتعلقة بالسجون، وبذوي المسجونين، فقد طال الظلم في مصر السياسيين وذويهم وغيرهم ممن ليس لهم نشاط سياسي، بل تم القبض على شخصيات مؤيدة للسيسي لأن لهم قريبا معارضا لحكمه، واتساع هذه الرقعة سيؤدي إلى زيادة الكبت، وهو ما لا يؤدي إلى خير، كما هو مجرب في مراحل الحكم المصري المختلف.
محاولات سابقة
كانت هناك محاولة من قبل، سعت إليها الإمارات بالاقتراح على المسؤولين في مصر، بإخراج خمسة آلاف سجين، ويكون منهم شخصيات كبيرة، منها على سبيل المثال: الدكتور محمد علي بشر، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، واقترحت كذلك إنشاء حزب جديد لكسر ما صدر من صورة إعلامية باحتكار أحزاب معينة للسياسة في مصر، ووفق على اقتراح حزب، وبالفعل تم إنشاء الحزب الجمهوري الديمقراطي.
أما اقتراح الإفراج عن خمسة آلاف معتقل سياسي، فوافقت عليه معظم الأجهزة المعنية، عدا جهاز واحد وهو جهاز الأمن الوطني، الذي أبدى موافقته للسلطة، لكنه طلب عدم محاسبته إن حدث أي حادث أمني بعد خروجهم، وهو ما يثير القلق لدى متخذ القرار، حيث إن الأمن الوطني يجعل من معركته مع المعارضين السياسيين شخصية، لأنه لا يزال أثر أحداث ثورة يناير ماثلة في ذهنه، ويجعل الانتقام من أصحابها ثأرا شخصيا.
كما أن هناك شخصيات إعلامية تتقمص شخصية الدولة، كلما طرح موضوع إخراج مسجونين، أو إجراء مصالحة وطنية، يخرج هؤلاء وكأنهم الحكام، وهم ليسوا إلا أدوات، ولو صدر قرار فعلي من جهة عليا لن يجرؤ أحدهم على رده، أو التعقيب، لكنهم يعلمون أن لا نية جادة لدى السلطة حاليا للتعامل مع هذا الملف. ولعل إنهاء ملف عبد الرحمن القرضاوي بالوساطة، ما فتح بابا للنقاش حول مدى إمكانية ذلك في مصر، فهل يمكن للعقلاء من دول الخليج القيام بدور كهذا؟!

