تدخل مصر موسم القطن 2026-2027 بمخزون أقل، بعدما تراجع المعروض المتاح إلى نحو 96 ألف طن، مقابل 107 آلاف طن بالموسم السابق.
وتكشف الأرقام ضغطًا متزايدًا على المحصول المصري، مع تراجع الرصيد المرحل، وانخفاض الإنتاج المتوقع، واستمرار غياب سعر الضمان، بينما تترقب الأسواق مزادات أكتوبر.
المخزون يتراجع والإنتاج تحت الضغط
وبحسب التقديرات الأولية لوزارة الزراعة، انخفض مخزون القطن المتاح مع بداية الموسم الجديد إلى نحو 96 ألف طن.
ويمثل الرقم تراجعًا بنحو 11 ألف طن مقارنة بالمعروض المتاح في بداية الموسم التسويقي السابق.
وبالتالي، يصل الانخفاض إلى قرابة 10%، في مؤشر يكشف تقلص الكميات المتاحة أمام السوق المحلية والمصدرين.
كما يبدأ الموسم التسويقي للقطن المصري في سبتمبر من كل عام، ويستمر حتى نهاية أغسطس التالي.
ومن ثم يصبح الرصيد المرحل من الموسم السابق عنصرًا رئيسيًا في تحديد حجم المعروض خلال بداية الموسم الجديد.
وبلغ الرصيد المرحل إلى الموسم الحالي نحو 25 ألف طن، وفق التقديرات الأولية التي أعلنتها وزارة الزراعة.
غير أن هذا الرصيد لا يمثل سوى جزء من الكميات التي ستتاح للسوق خلال الموسم الجاري.
إذ يضاف إليه إنتاج الموسم الجديد، والمقدر بنحو 71 ألف طن، ليصل إجمالي المعروض المتوقع إلى نحو 96 ألف طن.
وبحسب مصطفى عمارة، المتحدث الرسمي باسم مركز البحوث الزراعية، يتراوح الإنتاج المتوقع بين 1.3 و1.4 مليون قنطار قطن زهر.
كما بلغت المساحات المزروعة بالقطن خلال الموسم الجديد قرابة 203 آلاف فدان، وفق التقديرات الأولية.
لكن هذه الأرقام تظل قابلة للتغيير، مع استمرار عمليات الجني وظهور البيانات النهائية للإنتاج الفعلي.
وبالتالي فإن أي انخفاض إضافي في الإنتاج قد يضغط بصورة أكبر على المعروض المتاح خلال الشهور المقبلة.
كما أن محدودية المخزون المرحل تعني أن السوق تدخل الموسم الجديد دون هامش كبير يمكن الاعتماد عليه لتعويض أي نقص.
وعلاوة على ذلك، فإن تراجع المعروض يأتي في وقت يظل فيه القطن المصري مرتبطًا بطلب خارجي على الأصناف طويلة التيلة.
لذلك فإن انخفاض الكميات قد يخلق ضغوطًا مزدوجة، تبدأ من احتياجات السوق المحلية وتمتد إلى طلبات المشترين الأجانب.
الصادرات استنزفت جانبًا كبيرًا من المعروض
وخلال الموسم الماضي، بلغت صادرات القطن المصري نحو 65 ألف طن، وهو رقم استحوذ على جانب كبير من الكميات المتاحة.
وبالتالي أصبحت الصادرات وحدها تمثل عنصرًا رئيسيًا في تحديد الرصيد الذي انتقل إلى الموسم الجديد.
كما استحوذت الهند على نحو 60% من الصادرات المصرية، لتتصدر قائمة الدول المستوردة للقطن المصري.
وجاءت الصين في المركز الثاني بحصة بلغت نحو 22% من إجمالي الصادرات خلال الموسم الماضي.
ثم حلت باكستان في المرتبة الثالثة، بحصة قاربت 10% من إجمالي الكميات المصدرة.
ومن ناحية أخرى، تسلمت المغازل المحلية نحو 16 ألف طن من القطن المتاح خلال الموسم التسويقي السابق.
وبذلك تجاوز مجموع الصادرات والاستهلاك المحلي 81 ألف طن من إجمالي المعروض البالغ نحو 107 آلاف طن.
وبالتالي لم يتبق سوى نحو 25 ألف طن، وهو الرصيد الذي انتقل إلى الموسم الجديد.
وتكشف هذه الأرقام أن الجزء الأكبر من المعروض جرى استهلاكه أو تصديره خلال موسم واحد.
كما تضع محدودية الرصيد المرحل السوق أمام ضرورة تحقيق توازن أكثر دقة بين التصدير واحتياجات المغازل المحلية.
غير أن الحفاظ على الصادرات يظل مهمًا بالنسبة للمزارعين، لأن الطلب الخارجي يمثل أحد العوامل المؤثرة في الأسعار.
وعلاوة على ذلك، فإن مصر تمتلك ميزة تنافسية في الأقطان طويلة التيلة، التي تحظى بطلب من أسواق عالمية متخصصة.
لذلك فإن تراجع الإنتاج لا يعني بالضرورة انهيار الأسعار، لكنه قد يزيد المنافسة على الكميات المتاحة.
وبحسب مصطفى عمارة، فإن وجود نقص عالمي في الأقطان طويلة التيلة قد يدعم أسعار القطن المصري خلال الموسم الجديد.
كما يمكن لاستقرار سعر الصرف أن يمنح الصادرات المصرية قدرة أكبر على الحفاظ على جاذبيتها أمام المشترين الخارجيين.
لكن هذا السيناريو يظل مرتبطًا بحجم الإنتاج النهائي، ومستويات الطلب العالمي، وسلوك الشركات خلال المزادات المقبلة.
الأسعار تتحرك وغياب الضمان يثير القلق
وتشير التقديرات الأولية إلى إمكانية ارتفاع أسعار القطن بنحو ألف جنيه للقنطار خلال الموسم الجديد مقارنة بالموسم الماضي.
غير أن مصطفى عمارة يستبعد تكرار الارتفاعات الكبيرة التي شهدها السوق خلال الموسمين السابقين.
وبحسب متوسطات الموسم الماضي، بلغ سعر صنف جيزة 92 نحو 9700 جنيه للقنطار في المزادات المحلية.
كما وصل متوسط سعر صنف جيزة 94 إلى نحو 9450 جنيهًا للقنطار خلال الموسم السابق.
بينما بلغ سعر القنطار من صنفي جيزة 95 وجيزة 98 نحو 6750 جنيهًا، وفق متوسطات المزادات.
ومن ثم فإن توقع ارتفاع الأسعار بنحو ألف جنيه قد يرفع تكلفة الخام أمام المغازل المحلية خلال الموسم الجاري.
كما قد ينعكس ارتفاع الأسعار على الشركات التي تعتمد على القطن المصري في إنتاج الغزول والمنسوجات الموجهة للسوق والتصدير.
غير أن السعر النهائي سيظل مرتبطًا بنتائج المزادات، وحجم المعروض، وقوة المنافسة بين الشركات الراغبة في شراء المحصول.
والأكثر إثارة للقلق يتمثل في استمرار غياب أسعار الضمان للموسم الحالي، وكذلك الموسم السابق.
فالحكومة كانت تحدد سابقًا حدًا أدنى لأسعار المزادات، بما يمنح المزارعين قدرًا من الوضوح قبل تسويق المحصول.
وبحسب الأسعار التي كانت معلنة سابقًا، بلغ الحد الأدنى 10 آلاف جنيه للقنطار في الوجه القبلي.
كما وصل الحد الأدنى في الوجه البحري إلى 12 ألف جنيه للقنطار، وفق أسعار الضمان الحكومية السابقة.
وبالتالي فإن غياب سعر الضمان يترك المزارع أمام سوق أكثر ارتباطًا بالمزاد وحركة المشترين الفعلية.
كما يزيد ذلك أهمية المنافسة داخل حلقات التجميع، لأن السعر الذي سيحصل عليه الفلاح سيتحدد بدرجة أكبر وفق حركة السوق.
ومن ناحية أخرى، قد يؤدي ارتفاع الطلب الخارجي على القطن طويل التيلة إلى دعم الأسعار، إذا ظل الإنتاج العالمي محدودًا.
لكن ارتفاع السعر ليس مكسبًا مطلقًا للمزارع إذا تزامن مع ارتفاع تكاليف الزراعة والجني والنقل ومدخلات الإنتاج.
لذلك فإن تقييم الموسم لا يجب أن يعتمد على سعر القنطار وحده، وإنما على صافي العائد الذي يحصل عليه الفلاح.
وبحسب التقديرات الحالية، يتجه السوق إلى موسم أكثر حساسية، لأن المعروض أقل، بينما تتزايد أهمية كل كمية تدخل المزادات.
كما أن الفارق بين الإنتاج المتوقع والمعروض النهائي سيظل عاملًا حاسمًا في تحديد اتجاه الأسعار خلال الشهور المقبلة.
المزادات تبدأ في أكتوبر وسط ترقب واسع
وفي الوقت نفسه، بدأت عمليات جني القطن بالفعل في بعض محافظات الصعيد، مع دخول الموسم الجديد مراحله الأولى.
وبالتالي تقترب المنظومة من مرحلة تجميع المحصول وطرحه أمام الشركات من خلال المزادات المنظمة.
وتنتظر السوق صدور القرار السنوي الخاص بتشكيل اللجنة التنفيذية المسؤولة عن متابعة وتنظيم منظومة القطن المصري.
كما تتولى اللجنة تحديد مواعيد فتح حلقات تجميع المحصول، وتنظيم المزادات المخصصة لبيع القطن للشركات التجارية.
وبحسب مصطفى عمارة، من المتوقع صدور قرار تشكيل اللجنة التنفيذية خلال سبتمبر الجاري.
ومن المنتظر أن تبدأ المزادات في أكتوبر المقبل، بالتزامن مع زيادة الكميات التي ستخرج من الأراضي إلى حلقات التجميع.
وعليه، ستكون المزادات أول اختبار حقيقي لتوقعات ارتفاع الأسعار خلال الموسم الجديد.
كما ستكشف المنافسة بين الشركات عن مدى قوة الطلب على الأصناف المصرية، خصوصًا الأقطان طويلة التيلة.
غير أن محدودية المعروض قد تجعل المنافسة أكثر حدة، إذا حاولت الشركات تأمين احتياجاتها مبكرًا قبل انخفاض الكميات المتاحة.
وفي المقابل، قد يواجه القطاع الصناعي المحلي تحديًا في توفير احتياجاته، إذا اتجهت نسبة كبيرة من الإنتاج نحو التصدير.
لذلك سيكون التوازن بين التصدير والاستهلاك المحلي أحد أبرز الملفات التي ستفرض نفسها على الموسم الجديد.
كما ستتوقف قدرة الحكومة على ضبط المنظومة عند ضمان وصول المحصول إلى الحلقات الرسمية، ومنع أي ممارسات تضعف شفافية التسعير.
وبالتالي فإن نجاح المزادات لا يرتبط بالسعر المعلن فقط، وإنما بمدى انتظام عمليات التجميع، وعدالة المنافسة، وسرعة حصول المزارعين على مستحقاتهم.
وعلاوة على ذلك، تحتاج المنظومة إلى بيانات أكثر دقة حول المخزون والإنتاج والتصدير والاستهلاك، حتى يستطيع المزارع والشركات اتخاذ قرارات واضحة.
فالسوق التي تتحرك بأرقام تقديرية فقط تترك مساحة أكبر للمضاربة والتوقعات المتضاربة، خصوصًا مع تراجع المعروض.
ومن ثم يصبح إعلان البيانات النهائية للإنتاج خطوة ضرورية لتحديد الصورة الحقيقية للقطن المصري خلال الموسم الحالي.
كما أن متابعة حركة الصادرات خلال الشهور المقبلة ستوضح ما إذا كان الطلب الخارجي سيستمر بنفس القوة التي شهدها الموسم الماضي.
وفي النهاية، يدخل القطن المصري موسم 2026-2027 وسط معروض أقل، وإنتاج غير محسوم، وأسعار مرشحة للارتفاع، وغياب لسعر الضمان.
وبالتالي فإن المعركة الحقيقية لن تكون حول سعر القنطار فقط، وإنما حول قدرة المنظومة على حماية الفلاح وضمان احتياجات الصناعة والحفاظ على الصادرات.

