بدأت حكومة الانقلاب حصر آلاف الفيلات والشاليهات الساحلية، بعدما تركتها سنوات خارج السجلات الضريبية، بينما ظل المواطن العادي يدفع الضرائب على السلع والخدمات الأساسية.
وكشف التحرك المتأخر تناقضًا صارخًا، إذ أعفى القانون العقارات غير المحصورة من مستحقات السنوات الماضية، قبل مطالبة أصحابها بالسداد اعتبارًا من تطبيق التعديلات الجديدة.
إعفاء يكافئ الغياب
صدّق عبد الفتاح السيسي في أبريل الماضي على القانون رقم 3 لسنة 2026، المعدل لبعض أحكام قانون الضريبة على العقارات المبنية الصادر سنة 2008.
ومنح القانون أصحاب العقارات التي لم يسبق حصرها أو تقدير قيمتها الإيجارية إعفاءً كاملًا من الضرائب المستحقة عن جميع الفترات السابقة على بدء تطبيقه.
يعني ذلك أن الفيلا أو الشاليه الذي ظل مجهولًا للضرائب سنوات طويلة لن يتحمل صاحبه المستحقات المتراكمة خلال تلك المدة، رغم انتفاعه بالعقار.
ويضع هذا الإعفاء الملتزمين أمام معادلة مختلة، فصاحب العقار المسجل دفع الضريبة بانتظام، بينما حصل من بقي خارج السجلات على إسقاط كامل للمتأخرات.
ولا يميز النص عمليًا بين مالك أخفى وحدته عمدًا، وآخر لم تصل إليه لجان الحصر، إذ يمنح الحالتين النتيجة ذاتها دون مساءلة عن الماضي.
ويكشف ذلك خللًا في إدارة الملف، لأن الدولة لم تشرح أسباب بقاء آلاف العقارات مرتفعة القيمة خارج منظومة الحصر طوال السنوات السابقة.
كما لم توضح الحكومة المسؤول عن التقصير، أو ما إذا كانت المصلحة أجرت تحقيقًا بشأن غياب هذه الوحدات رغم ارتباطها بالكهرباء والمياه والغاز.
وتصبح المفارقة أكثر قسوة عند مقارنة هذا التساهل بما يواجهه المواطنون وأصحاب الأنشطة الصغيرة من غرامات وعقوبات عند التأخر في تقديم الإقرارات الضريبية.
فالتأخر المرتبط بضريبة القيمة المضافة قد يترتب عليه غرامات تبدأ بثلاثة آلاف جنيه، وقد تصل إلى مليوني جنيه، فضلًا عن الحبس في بعض الحالات.
أما ملاك العقارات غير المحصورة، فلا يواجهون مطالبة عن الماضي، بل يبدأ حسابهم الضريبي من نقطة جديدة، كأن سنوات الغياب لم تكن موجودة.
ولا يمثل ذلك إعفاءً اجتماعيًا يستهدف محدودي الدخل، لأن الحملة تركز على فيلات وشاليهات ومنتجعات وتجمعات مغلقة تضم عقارات تصل قيمتها إلى ملايين الجنيهات.
ويختلف العقار المعفى قانونيًا عن العقار غير الخاضع بسبب غيابه؛ فالأول مسجل وتعرفه المصلحة، بينما ظل الثاني بعيدًا تمامًا عن الرقابة والتقدير.
كان يفترض أن يعالج القانون هذا الغياب عبر المساءلة والتحصيل العادل، لكنه اختار إسقاط الماضي وفتح صفحة جديدة، يتحمل ثمنها الملتزمون والخزانة العامة.
حصر يبدأ بالساحل
دفعت وزارة المالية أوائل أغسطس الماضي بلجان ميدانية إلى قرى ومنتجعات الساحل الشمالي، لحصر الشاليهات والفيلات والوحدات غير المسجلة لدى مصلحة الضرائب العقارية.
وتراجع اللجان بيانات الوحدات ومساحاتها وأصحابها وقيمها الإيجارية، تمهيدًا لإدراجها في السجلات واحتساب الضريبة المقررة عليها خلال الفترات المقبلة.
واختارت الحكومة الساحل الشمالي نقطة بداية، باعتباره من أكبر تجمعات العقارات السياحية مرتفعة القيمة، ويضم آلاف الوحدات المستخدمة للإقامة الموسمية أو الاستثمار.
ومن المقرر انتقال الحصر لاحقًا إلى الكومباوندات المغلقة شرق القاهرة وغربها، ثم مناطق البحر الأحمر والعاصمة الإدارية الجديدة، ضمن خطة تشمل عشر مناطق.
ولم تعد المصلحة مضطرة إلى انتظار إقرار المالك، بعدما ألزم القانون شركات المرافق والجهات الحكومية بتسليم البيانات والمستندات اللازمة لتحديد العقارات وأصحابها.
ويشمل الإلزام شركات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والغاز، ووحدات الإدارة المحلية، بما يسمح بمطابقة بيانات الاستهلاك والتراخيص والملكية مع السجلات الضريبية.
كما ألزم القانون إدارات المنشآت الفندقية واتحادات الشاغلين بالتعاون، وتقديم أسماء أصحاب الوحدات والمنتفعين، وأرقامهم القومية، ومساحات العقارات الموجودة داخل التجمعات.
وتحول هذه الآلية عملية الحصر إلى منظومة تتبع واسعة، تعتمد على بيانات المرافق والإدارة المحلية والتجمعات السكنية بدلًا من انتظار إفصاح المالك طواعية.
لكن امتلاك الدولة لهذه الأدوات يضاعف التساؤلات، لأن معظم البيانات كانت موجودة بالفعل لدى جهات حكومية، ولم تكن الوحدات مباني مجهولة أو بلا مرافق.
فالشاليهات والفيلات حصلت على تراخيص، ووصلت إليها الكهرباء والمياه، وأقيمت داخل مشروعات معروفة، ومع ذلك بقيت أعداد كبيرة منها خارج السجلات.
ويشير هذا الواقع إلى أن الأزمة لم تكن نقص المعلومات وحده، بل ضعف الربط بين الجهات، وغياب الحصر المنتظم، وتأخر الرقابة على الثروة العقارية.
وتحاول الحكومة الآن تقديم الرقمنة باعتبارها حلًا جديدًا، رغم أن توحيد قواعد البيانات كان ممكنًا قبل سنوات، وكان سيمنع تراكم الفجوة الضريبية الحالية.
ويسمح توسيع الفاتورة الإلكترونية وقواعد البيانات بتتبع البيع والتأجير والانتفاع، وربط التصرفات العقارية بهوية المالك، بدلًا من استمرار التعامل عبر سجلات متفرقة.
ويلزم القانون مؤجر العقار محدد المدة أو المفروش بإخطار المأمورية خلال ثلاثين يومًا، ويعتبر عدم الإقرار عن إيرادات التأجير صورة تستوجب العقوبة.
وتواصل الدولة بالتوازي تحصيل ضريبة التصرفات العقارية، البالغة 2.5% من قيمة بيع العقارات أو الأراضي المعدة للبناء، ضمن توسيع ملاحقة النشاط العقاري.
الخزانة تطارد المليارات
تستهدف وزارة المالية جمع 17.3 مليار جنيه من الضريبة العقارية خلال العام المالي الجاري، إلى جانب تحصيل متأخرات الوحدات المسجلة قبل التعديلات.
وتخطط الوزارة لتحصيل 29 مليار جنيه إضافية خلال العامين الماليين المقبلين، ما يكشف اعتمادها المتزايد على توسيع الحصر لتعزيز موارد الخزانة المضغوطة.
وتأتي هذه المستهدفات ضمن موازنة تسعى لجمع نحو 3.5 تريليون جنيه من الضرائب، بعدما أصبحت الجباية المصدر الرئيسي لتمويل الإنفاق الحكومي وخدمة الديون.
وتمثل الضرائب أكثر من ثلثي إيرادات الدولة، بينما تلتهم فوائد وأقساط الديون جانبًا ضخمًا من الموارد، وتضغط على مخصصات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
لهذا لا يبدو تحرك الحكومة منفصلًا عن أزمة التمويل، بل محاولة متأخرة للبحث عن إيرادات جديدة بعدما اتسعت احتياجات الخزانة وزادت أعباء الاقتراض.
ورغم ارتفاع قيم العقارات الساحلية، تبقى الضريبة السنوية محدودة مقارنة بأثمانها، إذ قد يسدد مالك شاليه قيمته بين مليون ومليوني جنيه نحو 2500 جنيه.
وتدفع الضريبة على دفعتين، وهو مبلغ متواضع أمام تكلفة امتلاك وحدة ساحلية، وأقل كثيرًا من الضرائب غير المباشرة التي تتحملها الأسر سنويًا.
ويتيح القانون إعفاء المسكن الرئيسي الذي تقل قيمته عن مليوني جنيه، بشرط تقديم طلب رسمي، لكنه يخضع الشاليهات والمساكن الثانية للقواعد الضريبية المعتادة.
غير أن المشكلة لم تكن قيمة الإعفاء المخصص للمسكن الرئيسي، وإنما بقاء وحدات إضافية واستثمارية خارج الحصر، دون تقدير لقيمتها أو مطالبة أصحابها.
ويسدد المواطن ضريبة القيمة المضافة عند شراء الطعام والملابس والخدمات، ولا يستطيع الهروب منها، لأنها مضافة مباشرة إلى السعر الذي يدفعه يوميًا.
في المقابل، احتاجت الحكومة سنوات حتى تتحرك نحو ملاك فيلات وشاليهات بملايين الجنيهات، ثم قررت إعفاءهم من فاتورة السنوات التي سبقت اكتشاف وحداتهم.
ويثير هذا التفاوت سؤالًا عن فلسفة النظام الضريبي، وهل يوزع الأعباء وفق القدرة المالية، أم يلاحق الحلقة الأسهل ويمنح الأقوى تسويات بلا محاسبة.
فالعدالة لا تتحقق بمجرد إضافة عقارات جديدة، وإنما بمحاسبة المسؤولين عن تعطيل الحصر، وكشف عدد الوحدات وقيمتها والمبالغ التي خسرتها الخزانة خلال سنوات.
كما تتطلب العدالة نشر نتائج الحملة دوريًا، وتوضيح عدد الفيلات والشاليهات المكتشفة، وقيم الضرائب المقدرة، وأسماء المناطق التي شهدت أكبر فجوات في التسجيل.
ومن دون شفافية، قد تتحول الحملة إلى إعلان لزيادة الإيرادات، بينما تبقى أسباب الفشل الإداري والتمييز بين الملتزم والغائب بعيدة عن أي مساءلة.
ولا يكفي تحصيل 17.3 مليار جنيه لتبرير إسقاط مستحقات الماضي، خصوصًا أن الحكومة تطالب المواطنين بتحمل زيادات الأسعار والرسوم والضرائب بحجة حماية الموازنة.
تكشف القضية نموذجًا تُحمّل فيه الدولة المواطن الملتزم العبء فورًا، ثم تمنح مالك العقار غير المسجل بداية نظيفة عندما تقرر أخيرًا الوصول إليه.
وتظل المعركة الحقيقية مرتبطة بعدالة توزيع الضرائب، لا بعدد اللجان، وبقدرة الدولة على إخضاع الثروة العقارية للقواعد نفسها المطبقة بصرامة على المواطنين العاديين.

