أشعلت أعمال قطع الأشجار المعمرة في شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود غضبًا واسعًا، بعدما تحولت مشروعات تطوير الطرق إلى تهديد مباشر لما تبقى من رئة القاهرة.
وكشفت عمليات الإزالة تناقضًا صارخًا بين حديث الدولة عن زراعة 100 مليون شجرة، واستمرار اقتلاع أشجار قديمة لا تستطيع الشتلات الجديدة تعويض قيمتها البيئية قريبًا.
التطوير يدهس الأشجار
بدأت الأزمة مع تداول صور توثق إزالة أشجار من الجزيرة الوسطى بشارع جامعة الدول العربية، بالتزامن مع تنفيذ أعمال لتوسعة الطريق وزيادة الحارات المرورية.
وامتدت الانتقادات إلى أعمال القطع التي ظهرت في ميدان مصطفى محمود ومناطق بالدقي والمهندسين، وسط تساؤلات عن غياب البدائل الأقل ضررًا.
وبررت وزارتا التنمية المحلية والبيئة المشروع بالحاجة إلى استيعاب الكثافات المرورية الناتجة عن التغيرات التي شهدتها شبكة الطرق والمحاور المحيطة بالمنطقة.
وتشمل هذه التغيرات تشغيل محور كمال عامر، وتطوير محور 26 يوليو، وربط المنطقة بكوبري 15 مايو، بما دفع الجهات التنفيذية إلى إعادة تخطيط الشارع.
لكن هذا التبرير لم يوضح لماذا اختارت الجهات المنفذة قطع الأشجار، قبل دراسة إمكانية نقلها أو تعديل التصميم الهندسي لحماية أكبر عدد منها.
وتعاملت الأجهزة المحلية مع الأشجار باعتبارها عائقًا هندسيًا يمكن إزالته، متجاهلة أنها بنية بيئية حية استغرق تكوينها عشرات السنين داخل مدينة شديدة التلوث.
وجاء تحرك وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض بعد تصاعد الغضب، إذ وجهت بحصر الأشجار المقطوعة والتحقيق في أسباب إزالتها بدلًا من نقلها.
كما أمرت بزراعة أعداد مضاعفة من الأشجار البديلة، واختيار أنواع تتناسب مع طبيعة المنطقة والتربة، في محاولة لاحتواء الانتقادات المتزايدة.
غير أن الحصر اللاحق لا يبرر غياب الرقابة السابقة، ولا يجيب عن الجهة التي وافقت على القطع دون إعلان دراسة بيئية أو خطة واضحة للنقل.
ويكشف التسلسل أن القرارات التنفيذية سبقت المراجعة البيئية، ثم تحركت الوزارة بعدما أصبحت الأشجار جذوعًا مقطوعة وانتشرت صورها بين المواطنين.
ويعيد المشهد نمطًا متكررًا في مشروعات الطرق، حيث تُدفع البيئة إلى مؤخرة الأولويات، بينما تتحول زيادة الحارات المرورية إلى مبرر جاهز لإزالة الأشجار.
ولا تضمن توسعة الطرق حل الاختناق المروري طويلًا، لأن زيادة المساحات المخصصة للسيارات تجذب حركة إضافية، بينما تفقد المدينة الظلال الطبيعية والقدرة على تبريد الشوارع.
وتظهر خطورة الإزالة في مناطق مزدحمة تفتقر أصلًا إلى الحدائق العامة، ويعاني سكانها من ارتفاع درجات الحرارة وتلوث الهواء والضوضاء المستمرة.
وكان يمكن تعديل مسارات الحارات أو تقليص الجزر الخرسانية أو استخدام تقنيات نقل الأشجار، لكن الجهات المعنية لم تعرض دراسة تقارن بين هذه البدائل.
وبدلًا من إعلان المسؤولين عن القرار ومحاسبتهم، اكتفت الوزارة بوعد مألوف بزراعة أشجار بديلة، وكأن الشتلة الصغيرة تساوي شجرة ناضجة عمرها عشرات السنين.
الشتلات لا تعوّض
حذر أستاذ الزراعة والموارد المائية بجامعة القاهرة نادر نور الدين من أن الأشجار المزالة ليست مجرد نباتات يمكن استبدالها سريعًا بأعداد أكبر.
وأوضح أن جذور الأشجار القديمة تعمقت حتى وصلت إلى المياه الجوفية السطحية الموجودة في التربة الطينية، على أعماق تتراوح بين متر ونصف ومترين ونصف.
وبفضل هذه الجذور، أصبحت الأشجار قادرة على الحصول على المياه والعناصر الغذائية، دون الاعتماد الكامل على عمليات الري والصيانة الحكومية المنتظمة.
أما الشتلات الجديدة، فلا تتجاوز جذورها عادة ربع متر، ما يجعلها محتاجة إلى الري بسيارات المياه مرتين أسبوعيًا لفترة قد تصل إلى عشر سنوات.
وتزداد المشكلة مع ضعف الصيانة، إذ قد تموت قرابة 25% من الشتلات بعد زراعتها بسبب الإهمال أو سوء الرعاية أو عدم ملاءمة الأنواع المختارة.
وبذلك لا يصبح وعد زراعة أعداد مضاعفة ضمانة لتعويض الخسارة، لأن العدد المزروع لا يكشف عدد الأشجار التي بقيت حية ووصلت إلى مرحلة النضج.
وتحتاج الشجرة الصغيرة إلى سنوات طويلة كي تنتج الظل وتمتص الكربون وتخفض الحرارة بالمستوى نفسه الذي كانت توفره الأشجار التي جرى اقتلاعها.
وتستطيع الأشجار الكبيرة خفض درجات الحرارة المحيطة بما يتراوح بين أربع وثماني درجات، فضلًا عن حماية الأرصفة والسيارات والمشاة من أشعة الشمس.
كما تمتص ثاني أكسيد الكربون والملوثات، وتنتج الأكسجين، وتحد من تطاير الأتربة، وتوفر موائل للطيور والكائنات التي تحفظ التوازن الحيوي داخل المدينة.
لذلك تمثل إزالة الأشجار خسارة صحية ومناخية واجتماعية، وليست مجرد تغيير تجميلي يمكن علاجه بوضع شتلات صغيرة في أحواض إسمنتية محدودة.
وطرح نور الدين استخدام ماكينات متخصصة تنقل الأشجار كاملة بجذورها والتربة المحيطة بها، وهي التقنية المعروفة بنقل الشجرة مع كتلتها الجذرية.
وتسمح هذه التقنية بإبعاد الأشجار مؤقتًا إلى مواقع بديلة أو مزارع صحراوية، ثم إعادتها بعد انتهاء التطوير، بدلًا من قتلها وتحويلها إلى أخشاب.
لكن توفير هذه المعدات يتطلب اعتبار الأشجار ثروة عامة تستحق الإنقاذ، وليس موردًا قليل القيمة يسهل التضحية به أمام الإسفلت والكباري.
كما يتطلب التخطيط للمشروعات قبل بدء التنفيذ، وحصر الأشجار وتقييم حالتها وإعلان أسباب تعذر نقل كل شجرة، بدلًا من إصدار التبريرات بعد قطعها.
وتكشف الواقعة عبثية الجمع بين وزارتي البيئة والتنمية المحلية، حين تصبح الجهة المكلفة بحماية الأشجار جزءًا من جهاز تنفيذي يزيلها لتوسعة الطرق.
المبادرة تفقد معناها
تأتي أعمال القطع بينما تروج الدولة لمبادرة 100 مليون شجرة، التي انطلقت في نوفمبر 2022، وتستمر سبع سنوات حتى العام المالي 2028-2029.
وتستهدف المبادرة زيادة الرقعة الخضراء ومضاعفة نصيب الفرد منها وتحسين جودة الهواء وخفض الانبعاثات، عبر الزراعة في نحو 9900 موقع بمختلف المحافظات.
وتبلغ المساحة المستهدفة قرابة 6600 فدان، مع إعلان اختيار أنواع تتناسب مع المناخ والتربة وتحقق أكبر عائد بيئي ممكن لكل منطقة.
لكن المبادرة تفقد معناها إذا كانت الدولة تزرع شتلات في موقع، بينما تقتلع أشجارًا ناضجة في موقع آخر تحت لافتة التطوير المروري.
ولا يجوز تقييم نجاح المبادرة بعدد الشتلات الموزعة، بل بصافي الزيادة الحقيقية في الغطاء الأخضر ونسب بقاء الأشجار بعد سنوات من زراعتها.
وتشير دراسات تغير استخدامات الأراضي إلى تراجع المساحات الخضراء بالقاهرة الكبرى من 11.2% عام 2001 إلى 8.5% عام 2021.
ويعني ذلك انخفاض الغطاء الأخضر بنحو 24% خلال عشرين عامًا، بينما فقدت القاهرة وحدها قرابة 32 كيلومترًا مربعًا من مساحاتها الخضراء.
وتفضح هذه الأرقام الفجوة بين حملات التشجير الرسمية والواقع العمراني، حيث تستمر الطرق والإنشاءات والأنشطة التجارية في التهام المساحات المفتوحة.
ويرى رئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحوكمة البيئية أحمد الصعيدي أن زراعة أشجار جديدة لا تعالج فقدان الأشجار القائمة ولا تعوض قيمتها فورًا.
وأكد أن المادة 45 من الدستور تلزم الدولة بحماية وتنمية المساحات الخضراء في المدن، بينما تعكس عمليات القطع ضعفًا واضحًا في تنفيذ هذا الالتزام.
كما انتقد غياب حماية الأشجار عن التوجيهات الرسمية الخاصة بتخضير القاهرة، معتبرًا أن وقف الإزالة يجب أن يسبق أي حديث عن التعويض أو زيادة الأعداد.
فمنذ سنوات يتكرر الوعد نفسه عقب كل واقعة قطع: زراعة أضعاف الأشجار المزالة، دون نشر بيانات موثقة عن مواقع البدائل ونسب بقائها وصيانتها.
ويزيد تعدد الجهات المسؤولة الأزمة تعقيدًا، إذ تتداخل اختصاصات المحافظات والأحياء ووزارتي البيئة والتنمية المحلية وهيئات الطرق دون تحديد واضح للمساءلة.
ورغم تجريم قانون العقوبات قطع الأشجار في الشوارع والميادين ببعض الحالات، تظل النصوص متفرقة وقديمة ولا تنظم إجراءات الإزالة والنقل والتعويض بدقة.
وتحتاج مصر إلى قانون موحد لحماية الأشجار، يفرض دراسة البدائل وإعلان أسباب الإزالة والحصول على موافقة بيئية مستقلة قبل بدء المشروعات.
كما يجب أن يحدد القانون قيمة الشجرة وفق عمرها وفوائدها البيئية، وأن يلزم الجهة المتسببة بالتعويض والصيانة، مع عقوبات حقيقية على المخالفين.
فالأشجار ليست زينة هامشية، ولا يجوز التضحية بها كلما أرادت جهة تنفيذية توسيع شارع أو إنشاء كوبري دون نقاش مجتمعي ودراسة معلنة.
وإذا استمرت الدولة في اقتلاع الأشجار المعمرة ثم عدّ الشتلات الجديدة، ستتحول مبادرة 100 مليون شجرة إلى غطاء دعائي يخفي تراجعًا بيئيًا متواصلًا.
أما حماية القاهرة فتبدأ بوقف منشار الإزالة، ومحاسبة المسؤولين، وإجبار مشروعات التطوير على التكيف مع الأشجار القائمة بدلًا من سحقها تحت الأسفلت.

