أعاد التصعيد العسكري بين الحوثيين والقوات الحكومية اليمن إلى مشهد الحرب المفتوحة، بعدما امتدت المواجهات من تعز والحديدة إلى البيضاء والضالع ومأرب.
وكشفت حصيلة القتلى واتساع الجبهات أن المواجهة تتجاوز خلافًا ميدانيًا محدودًا، لتضع التهدئة أمام الانهيار وتهدد بتحويل باب المندب إلى ساحة صراع إقليمي.
جبهات تشتعل مجددًا
شهدت الأيام الماضية واحدة من أعنف جولات القتال منذ الهدوء النسبي الذي أعقب التهدئة المعلنة عام 2022.
وأسفرت المعارك عن مقتل 190 شخصًا على الأقل، وسط مخاوف من ارتفاع الحصيلة مع استمرار الغارات والاشتباكات البرية.
وبدأت الجولة الأخيرة بهجوم بري شنه الحوثيون على مناطق ساحلية، مستخدمين الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد مواقع تابعة للقوات الحكومية.
وردت القوات الحكومية بتوسيع عملياتها الجوية والبرية، مستهدفة مواقع وتجمعات وآليات ومنشآت عسكرية تابعة للحوثيين في عدة محافظات.
وشنت القوات اليمنية 13 غارة على مواقع في مديريات الشرية وذي ناعم والبيضاء والسوادية بمحافظة البيضاء.
وطالت الغارات تجمعات وآليات ومنصة لإطلاق الصواريخ، في محاولة لتعطيل قدرات الحوثيين ومنعهم من إسناد هجماتهم على الجبهات المشتعلة.
وامتدت الضربات إلى محافظة الضالع، حيث استهدفت غرفة للقيادة والسيطرة ومنظومة استشعار حرارية أعلى جبل ناصة بجبهة مريس.
كما استهدفت الغارات تجمعات حوثية في المنطقة نفسها، التي تمثل نقطة مراقبة مهمة للتحركات العسكرية ومسارات الإمداد.
وفي مأرب، تعرضت تجمعات وثكنات تابعة للحوثيين في الجبهات الجنوبية لغارات جديدة، بالتزامن مع اشتداد القتال في مناطق أخرى.
وتحمل مأرب أهمية خاصة بسبب موقعها وثرواتها ومكانتها العسكرية، بعدما تحولت خلال سنوات الحرب إلى هدف متكرر لهجمات الحوثيين.
أما تعز، فعادت جبهاتها الغربية إلى الاشتعال بمواجهات استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة، خصوصًا في الضباب والصياحي وجبل هان وماتع.
ويكشف انتشار الاشتباكات في هذه المناطق محاولة كل طرف الضغط على خطوط خصمه وإجباره على توزيع قواته بين محاور متعددة.
وفي الحديدة، أعلنت القوات الحكومية السيطرة على مدينة حيس، الواقعة جنوب شرقي المحافظة، والتقدم إلى مناطق جديدة شمال المدينة.
وأكد مصدر عسكري حكومي تثبيت مواقع شمال حيس، التي تقع على خط المواجهة وتبعد أقل من 30 كيلومترًا عن ساحل البحر الأحمر.
ويمنح التقدم القوات الحكومية مساحة أكبر لمراقبة تحركات الحوثيين، وتأمين بعض الطرق التي تربط تعز بالساحل الغربي.
لكن الحوثيين ما زالوا يمتلكون الصواريخ والمسيّرات والقوارب المفخخة، بما يسمح لهم بتهديد المواقع البرية والموانئ والممرات البحرية.
ويعني ذلك أن السيطرة على مدينة أو موقع لا تحسم المواجهة، بقدر ما تنقل القتال إلى مناطق جديدة وتفتح أبوابًا إضافية للاستنزاف.
وتشير كثافة الغارات إلى أن القوات الحكومية تسعى لانتزاع المبادرة، بعدما ظلت خلال فترات سابقة تتعامل مع هجمات متفرقة على مواقعها.
في المقابل، يحاول الحوثيون فتح جبهات متزامنة تمنع خصومهم من تجميع القوات، وتمنح الجماعة أوراقًا جديدة قبل أي مفاوضات مقبلة.
المخا وباب المندب
تقع مدينة المخا في قلب التصعيد الحالي، بعدما تعرضت خلال أغسطس لهجمات متكررة استهدفت المدينة وميناءها والمناطق المحيطة بها.
وتقول مصادر حكومية إن الحوثيين يسعون إلى قطع الطرق المؤدية إلى المخا وعزلها عن بقية المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
ويتركز الضغط على الطرق الرابطة بين تعز والساحل، باعتبارها شرايين رئيسية لنقل الجنود والأسلحة والوقود والإمدادات.
ويمكن لقطع هذه الطرق أن يحاصر القوات الحكومية داخل المخا، ويضعف قدرتها على صد أي هجوم واسع باتجاه المدينة.
كما قد يسمح التقدم الحوثي بالوصول إلى مرتفعات قريبة تشرف على الساحل، وتوفر مواقع أفضل لمراقبة البحر والمناطق المحيطة بالمضيق.
وتتمتع المخا بأهمية تتجاوز حدودها الجغرافية، بسبب مينائها وقربها من باب المندب، أحد أهم ممرات التجارة والطاقة عالميًا.
ويربط البحر الأحمر المحيط الهندي بقناة السويس والبحر المتوسط، ما يجعل أي اضطراب في باب المندب مؤثرًا في حركة السفن الدولية.
وتخشى الحكومة اليمنية من أن يؤدي تغيير خريطة السيطرة إلى تعزيز قدرة الحوثيين على مهاجمة السفن وتهديد الموانئ القريبة.
وحذر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي من أن أي محاولة حوثية للتقدم نحو المضيق قد تشعل حرب استنزاف شرسة.
ويرى الجانب الحكومي أن التحركات ترتبط بحسابات إقليمية، تستهدف منح إيران نفوذًا إضافيًا قرب واحد من أهم الممرات البحرية.
وينفي الحوثيون أن تكون السيطرة على الساحل هدفهم الرئيسي، ويؤكدون أنهم لا يحتاجون إلى الاقتراب من المضيق لاستهداف السفن.
وتستند روايتهم إلى امتلاك صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيّرة، يمكن إطلاقها من مناطق خاضعة لسيطرتهم بعيدًا عن الساحل.
لكن هذا التبرير لا ينهي المخاوف، لأن التقدم نحو البحر يمنح الجماعة خيارات أوسع ويصعب مهمة القوات المكلفة بحماية الملاحة.
كما يرفع استخدام القوارب المفخخة احتمالات انتقال المواجهة من اليابسة إلى البحر، بما يعرض السفن التجارية والعسكرية لخطر متزايد.
وأصدرت السلطات البحرية الأمريكية تحذيرات بشأن المخاطر التي قد تواجه السفن في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
وأكدت بريطانيا أمام مجلس الأمن أن هجمات الحوثيين على السعودية والشحن الدولي تهدد الاستقرار، ودعت إلى وقف التصعيد.
وأعرب المبعوث الأممي هانس غروندبرغ عن قلقه من الهجمات على المخا وما خلفته من ضحايا وأضرار في الميناء والبنية التحتية.
ولا ترتبط المخا بحركة الملاحة وحدها، إذ تمثل بوابة عسكرية نحو الساحل الغربي ومركزًا مهمًا للقوات المناهضة للحوثيين.
ولهذا تبدو المعركة حولها اختبارًا لقدرة الحكومة على حماية مناطقها، وقدرة الحوثيين على تعديل موازين السيطرة بعد سنوات من الجمود.
حرب تتجاوز اليمن
تأتي المواجهات بعد أربع سنوات من تهدئة خفضت العمليات العسكرية، لكنها لم تعالج أسباب الحرب أو تنتج اتفاقًا نهائيًا.
وظلت خطوط الجبهات محتفظة بالمقاتلين والأسلحة والتحصينات، بينما تعثرت جهود التسوية أمام الخلاف على السلطة والموارد والضمانات الأمنية.
ومنذ يوليو، عاد اليمن إلى قلب التوتر الإقليمي مع تجدد المواجهة بين الحوثيين والسعودية، بالتزامن مع الحرب الأمريكية الإيرانية.
واتهم الحوثيون الرياض بقصف مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية، قبل إعلان حصار بحري على الموانئ السعودية.
كما أعلنت الجماعة استئناف استهداف ناقلات النفط والمنشآت السعودية، ما نقل التصعيد من الجبهات الداخلية إلى مواجهة إقليمية مباشرة.
وبذلك لم تعد المعركة مرتبطة فقط بتقاسم النفوذ داخل اليمن، وإنما أصبحت جزءًا من صراع يمتد عبر الخليج والبحر الأحمر.
وتنظر الحكومة إلى التحركات الحوثية باعتبارها محاولة لاستغلال اضطراب المنطقة، وفرض مكاسب ميدانية قبل تدخل القوى الدولية لوقف الحرب.
أما الحوثيون، فيقدمون عملياتهم باعتبارها ردًا على الهجمات الخارجية، ويربطون تحركاتهم بالمواجهة مع السعودية والولايات المتحدة وحلفائهما.
ويزيد هذا التداخل صعوبة احتواء القتال، لأن وقف الجبهات اليمنية أصبح مرتبطًا بمسارات أوسع لا يتحكم اليمنيون وحدهم فيها.
كما أن اتساع المواجهة يمنح كل طرف مبررًا لمواصلة الحشد، ويضعف قدرة الأمم المتحدة على فرض عودة سريعة إلى التهدئة.
وتثير حصيلة القتلى المرتفعة خلال أيام مخاوف من انتقال العمليات المتفرقة إلى حرب واسعة تشمل الساحل والداخل والممرات البحرية.
وتواجه الأسر اليمنية خطر نزوح جديد، بعدما دفعت المعارك آلاف العائلات إلى مغادرة المناطق القريبة من جبهات تعز والحديدة.
ويأتي النزوح بينما تعاني البلاد أصلًا أزمة إنسانية ممتدة، وانهيارًا اقتصاديًا ونقصًا في الخدمات وفرص العمل والرعاية الصحية.
وسيدفع اضطراب باب المندب شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، ما يطيل الرحلات ويرفع تكاليف الوقود والتأمين ونقل السلع.
وعندها لن تبقى تداعيات الحرب داخل اليمن، بل ستصل إلى الأسواق العالمية والدول التي تعتمد على الطريق البحري عبر قناة السويس.
ويضع التصعيد البلاد أمام مسارين؛ إما ضغوط إقليمية تعيد الأطراف إلى التهدئة، أو مواجهة مفتوحة تعيد الحرب إلى ذروتها.
لكن اتساع الجبهات واستخدام الصواريخ والمسيّرات والقوارب المفخخة يشير إلى استعدادات تتجاوز حدود جولة عسكرية قصيرة.
ويظل مصير المخا عاملًا حاسمًا، لأن صمودها قد يوقف اندفاع الحوثيين، بينما سيؤدي عزلها إلى تغيير خطير بخريطة الساحل.
كما سيحدد الموقف السعودي والأمريكي حجم التصعيد، خصوصًا إذا اقترب القتال أكثر من السفن والمنشآت والموانئ المطلة على البحر الأحمر.
ولا تزال فرص الاحتواء قائمة، لكنها تتراجع مع كل غارة وهجوم جديد، ومع تحول الممرات البحرية إلى جزء مباشر من المواجهة.
وهكذا يقف اليمن على حافة حرب جديدة، لا تهدد ما تبقى من التهدئة فقط، بل تضع باب المندب والتجارة الدولية أمام اختبار خطير.

