أدانت ثماني دول عربية وإسلامية مخططًا إسرائيليًا معلنًا يستهدف تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، مؤكدة أن إخراج السكان قسرًا انتهاك صارخ للقانون الدولي.
وحذرت الدول من انتقال دعوات الوزيرين المتطرفين إيتمار بن غفير ويسرائيل كاتس من التصريحات التحريضية إلى إجراءات عملية تقتلع الفلسطينيين وتفرض واقعًا ديموغرافيًا جديدًا.
خطة اقتلاع معلنة
جاء الموقف في بيان مشترك لوزراء خارجية السعودية والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا وقطر ومصر، رداً على أحدث الطروحات الإسرائيلية بشأن مستقبل غزة.
ووصف الوزراء تصريحات بن غفير وكاتس بأنها تحريضية وخطيرة، مؤكدين أنها تستهدف إخراج الفلسطينيين قسرًا من أرضهم، تحت مسميات تسعى لتجميل جريمة التهجير.
وكان بن غفير قد طرح خطة زمنية لمغادرة سكان القطاع، تبدأ بإخراج 250 ألف فلسطيني خلال العام الأول، ثم تهجير بقية السكان خلال ست سنوات.
ويعني ذلك عمليًا تفريغ غزة من نحو مليوني فلسطيني، وتحويل العدوان المستمر منذ أكتوبر 2023 إلى أداة لإعادة رسم الخريطة السكانية بالقوة.
أما كاتس، فأعلن استعداد إسرائيل لنقل فلسطينيين من القطاع بحرًا وبرًا، زاعمًا أن واشنطن تبحث عن وجهات يمكن إرسال السكان إليها.
وزعم الوزير الإسرائيلي أن غالبية سكان غزة يريدون المغادرة، متجاهلًا أن تدمير المنازل والحصار والتجويع لا يتركان للمدنيين أي اختيار حر وحقيقي.
ويكشف تحديد وسائل النقل والأعداد والجداول الزمنية أن الحديث تجاوز الشعارات المتطرفة، وأصبح أقرب إلى مشروع منظم يحتاج وجهات استقبال وترتيبات دولية.
وأكد البيان أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا يجوز التعامل معه باعتباره مساحة منفصلة قابلة لإعادة التوزيع أو الاستيلاء.
وشدد الوزراء على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية بين غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ورفض أي ترتيبات تفصل القطاع عن قضيته الوطنية.
ويرتبط مخطط التهجير بمساعٍ إسرائيلية أوسع لتغيير طبيعة الصراع، عبر تحويل الفلسطينيين من أصحاب أرض وحقوق إلى لاجئين يبحثون عن مأوى خارج وطنهم.
ويعيد ذلك إنتاج مشاهد النكبة، لكن بأدوات أكثر قسوة، تشمل القصف والحصار وهدم المدن وتجفيف مقومات الحياة، قبل تقديم الرحيل باعتباره خيارًا إنسانيًا.
فالإنسان المحاصر بين الموت والجوع والمرض لا يغادر طوعًا، وإنما يُدفع إلى الرحيل تحت ضغط منظومة كاملة من العنف والحرمان والترويع.
جريمة بغطاء طوعي
رفض الوزراء أي محاولات لتهجير الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة أو خارجها، وتحت أي مسمى أو ذريعة، مؤكدين عدم شرعية تلك المخططات.
ويحاول المسؤولون الإسرائيليون تسويق التهجير باعتباره «مغادرة طوعية»، رغم أن الظروف المفروضة على سكان القطاع تنفي وجود الإرادة الحرة اللازمة لأي قرار بالمغادرة.
وتحظر قواعد القانون الدولي الإنساني النقل القسري لسكان الأراضي المحتلة، سواء جرى مباشرة بالقوة أو بصورة غير مباشرة عبر خلق ظروف حياة مستحيلة.
ولهذا اعتبر البيان تصريحات الوزيرين انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وتهديدًا مباشرًا للحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني.
كما حذر من العواقب الخطيرة لتحويل الدعوات إلى التهجير القسري إلى سياسة إسرائيلية معلنة، مدعومة بآليات تنفيذية واتصالات للبحث عن دول تستقبل المهجرين.
وتتضاعف خطورة التصريحات لأنها صدرت عن وزيرين داخل الحكومة الإسرائيلية، وليست مجرد آراء هامشية أطلقها ناشطون أو شخصيات لا تملك سلطة التنفيذ.
فبن غفير يشغل وزارة الأمن القومي، بينما يتولى كاتس وزارة الدفاع، ما يمنح تصريحاتهما وزنًا تنفيذيًا ويثير مخاوف جدية بشأن إعداد خطوات ميدانية.
وتأتي تلك الدعوات بينما لا يزال الفلسطينيون يواجهون آثار دمار واسع طال المنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والطرق ومرافق الحياة الأساسية.
ويبدو الهدف واضحًا: جعل غزة مكانًا غير قابل للحياة، ثم استغلال المعاناة الناتجة عن العدوان لإجبار السكان على الرحيل وتقديم الجريمة باعتبارها إنقاذًا.
وقد نزحت غالبية سكان القطاع داخليًا مرات عديدة، دون أن يؤدي الانتقال بين مناطق غزة إلى توفير الأمان أو الحماية من القصف والحصار.
ويخشى الفلسطينيون أن تتحول أوامر النزوح الداخلي إلى مرحلة تمهيدية، تسبق دفعهم نحو المعابر ثم منعهم لاحقًا من العودة إلى مدنهم ومنازلهم.
وأكد الوزراء أن أي مخطط للاقتلاع يمثل محاولة لمحو القضية الفلسطينية، عبر إنهاء وجود أصحاب الأرض بدلًا من إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
اختبار مجلس الأمن
اعتبر البيان أن مخططات التهجير تمثل تحديًا مباشرًا للجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الصراع، وتهدد بتقويض فرص الاستقرار في المنطقة بأكملها.
وأشار الوزراء إلى تعارض الدعوات الإسرائيلية مع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الصراع في غزة، والتي تتضمن رفضًا معلنًا للتهجير القسري.
لكن تكرار التصريحات الإسرائيلية يضع الموقف الأميركي أمام اختبار حقيقي، لأن الرفض اللفظي لن يمنع التنفيذ إذا استمرت إسرائيل دون ضغوط أو إجراءات رادعة.
ويظل الفارق كبيرًا بين إعلان رفض التهجير وبين وقف الظروف التي تقود إليه، وفي مقدمتها الحصار والعدوان وتدمير البنية الأساسية ومنع الإعمار.
ودعا الوزراء المجتمع الدولي، خصوصًا مجلس الأمن، إلى تحمل مسؤولياته والتصدي بحزم لأي محاولة لفرض واقع ديموغرافي أو جغرافي جديد بالأراضي الفلسطينية.
وتتطلب تلك الدعوة تحركًا يتجاوز بيانات القلق، ويشمل إجراءات عملية تمنع إسرائيل من تحويل التهجير إلى مشروع قابل للتنفيذ أو التفاوض.
فالصمت الدولي يمنح حكومة الاحتلال مساحة لمواصلة اختبار ردود الفعل، قبل الانتقال تدريجيًا من إطلاق الأفكار إلى إعداد وسائل النقل وتحديد الوجهات.
كما أن استقبال أي دولة للفلسطينيين ضمن ترتيبات دائمة سيخدم المخطط الإسرائيلي، حتى لو جرى تسويقه باعتباره استضافة إنسانية أو حماية مؤقتة.
وشدد البيان على أن السلام العادل والدائم لن يتحقق بإفراغ غزة، وإنما بتنفيذ حل الدولتين وإنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم.
وجدد الوزراء التمسك بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية.
كما أكدوا دعمهم الكامل لصمود الشعب الفلسطيني فوق أرضه، ورفضهم أي محاولة لتصفية القضية أو مصادرة الحقوق الوطنية تحت ضغط الحرب.
ويحمل البيان موقفًا واضحًا، لكن قيمته ستتحدد بقدرة الدول الموقعة عليه على تحويل الإدانة إلى تحرك يمنع توفير الغطاء أو التمويل للمخطط.
فخطة اقتلاع مليوني فلسطيني لا تهدد غزة وحدها، وإنما تفتح الباب أمام موجات تهجير جديدة وصراعات حدودية وانفجار إقليمي طويل الأمد.
وتبقى حماية الفلسطينيين في أرضهم مسؤولية دولية عاجلة، لأن انتظار بدء الحافلات والسفن يعني أن العالم سمح للجريمة بالانتقال من التصريحات إلى التنفيذ.

