كشف مقطع مصور وشكاوى متداولة بين سكان مدينة العبور عن إزالة مساحات خضراء واسعة في ثلاثة مواقع خلال 3 أشهر فقط، وسط اتهامات لجهاز المدينة بالصمت وترك الحدائق فريسة لمشروعات تجارية.


وأظهر الفيديو أرضا جرداء قال السكان إنها كانت حديقة مزروعة أمام أفينيو مول، بالتزامن مع تجريف حديقة عند مدخل الحي التاسع وإزالة الخضرة التي غطت تبة العبور سنوات طويلة ممتدة.


 


خضرة تختفي بسرعة

 

وبحسب شهادات الأهالي، لم تعد الوقائع حوادث منفصلة، بل مسارا متسارعا بدأ بحديقتين وتبة خضراء، ثم اقترب من الحزام الأخضر نفسه، بما ينذر بتغيير هوية المدينة العمرانية والبيئية نهائيا بالكامل.

 


وفي المقابل، لم يجد السكان ردا واضحا يشرح طبيعة الأعمال أو مساحاتها أو تراخيصها، بينما تتقدم الأسوار والإنشاءات داخل مناطق خصصت أصلا لتكون متنفسا عاما وحاجزا أمام التلوث الصناعي حتى الآن.


وعلاوة على ذلك، يقول سكان الحي التاسع إنهم فوجئوا بحواجز معدنية داخل الحزام الأخضر، قبل بدء أعمال تجريف وقطع أشجار، رغم إرسال شكاوى إلى جهاز العبور ووزارات الإسكان والبيئة والتنمية المحلية.


ويحذر رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة محمد علي فهيم من أن الأشجار تخفف حرارة المدن بوضوح، لأن الخرسانة والأسفلت يمتصان حرارة النهار ويعيدان إطلاقها ليلا فتتشكل الجزر الحرارية.


وبالتالي، فإن إحلال الكتل الخرسانية محل الأشجار لا يغير المشهد البصري فقط، بل يرفع الحرارة ويضعف تنقية الهواء مباشرة، خصوصا أن الحي التاسع يجاور المنطقة الصناعية ويحتاج حاجزا نباتيا دائما.


كما أن الحزام الأخضر ساهم، وفق شهادات السكان، في رفع القيمة السكنية للحي وحماية المنازل من الانبعاثات، ما يجعل تجريفه اعتداء على البيئة وممتلكات الأهالي وجودة حياتهم في وقت واحد.


وفوق ذلك، يثير غياب البيانات الرسمية شكوكا بشأن تحويل أراض خضراء عامة إلى أنشطة تجارية، بعدما تحدث الأهالي عن مخطط لإقامة شريط من المولات والمحلات بطول الطريق المحيط بالحي التاسع.


كتل خرسانية تطارد السكان


غير أن قيمة الأشجار لا تقاس بثمن الأرض وحده، إذ توفر الظل وتحتجز الغبار والجسيمات وتحد من الضوضاء، بينما تحتاج الأشجار البديلة سنوات طويلة حتى تقدم الخدمات البيئية نفسها التي أزيلت سريعا.


وفي هذا السياق، حذر أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة نادر نور الدين من وهم تعويض الأشجار الناضجة بنقل أشجار كبيرة، لأن ذلك يعني اقتلاعها من مكان آخر ولا يعوض الخسارة البيئية.


ومن ثم، فإن الحديث المحتمل عن تشجير بديل لا يبرر الإزالة، لأن تعويض أشجار راسخة بأخرى صغيرة ينقل الضرر إلى المستقبل، فيما يدفع السكان حاليا ثمن الحرارة والغبار وفقدان المساحات المجانية.


إلى جانب ذلك، تتجاوز الأزمة حدود الحي التاسع إلى نمط عمراني يمنح الأنشطة الاستثمارية أولوية على الحدائق، رغم أن سكان المدن الجديدة دفعوا ثمنا أعلى للسكن مقابل التخطيط والمساحات المفتوحة والخدمات.


وبدلا من حماية هذا الامتياز، يواجه سكان العبور تمددا تجاريا متواصلا يزيد المرور والضوضاء والازدحام، ويضغط على المرافق، ويحول الحزام الفاصل عن المنطقة الصناعية إلى مصدر جديد للتكدس والانبعاثات اليومية.


وبناء على ذلك، يصبح جهاز المدينة مطالبا بإعلان الخرائط المعتمدة والعقود ودراسات الأثر البيئي كاملة، وتحديد عدد الأشجار التي أزيلت ومصير الأراضي، بدلا من ترك الأهالي يلاحقون الجرافات بالهواتف والشكاوى.


أما استمرار الصمت، فيمنح الأعمال الجارية غطاء فعليا، ويضع السكان أمام أمر واقع يصعب التراجع عنه بعد صب الخرسانة، كما يحرم الرأي العام من معرفة المستفيد الحقيقي من تغيير استخدام الأرض.


وفي الأثناء، ينص الدستور على حماية وتنمية المساحات الخضراء داخل المدن، ما يجعل أي تقليص يستوجب تفسيرا علنيا ودراسة بيئية ومشاركة مجتمعية، لا قرارات مغلقة تتكشف للسكان بعد وصول المعدات.


صمت يضاعف المخاطر


ويرى مدير إدارة شؤون البيئة والأرصاد الجوية بجامعة الدول العربية محمود فتح الله أن نقل التعويض الأخضر إلى مناطق أخرى يخل بالتوازن الجغرافي، لأن سكان المنطقة المنزوعة يصبحون أقل حماية.


لذلك، لا تستطيع أي حديقة بعيدة تعويض سكان العبور عن حزام يحجب تلوث المنطقة الصناعية، كما لا تعيد المبادرات العامة أشجارا أزيلت من محيط المنازل والمدارس والطرق التي يستخدمونها يوميا.


ومن جهة أخرى، تكشف الوقائع المعلنة خلال 3 أشهر سرعة التغيير، إذ اختفت حديقة أمام أفينيو مول وأخرى عند مدخل الحي التاسع وخضرة التبة، فيما بات الحزام الأخضر الهدف التالي وفق الأهالي.


ولزيادة الغموض، لم يتضمن ما تداوله السكان لوحة معلومات تشرح المشروع أو الجهة المنفذة أو الجدول الزمني، ما عزز الاعتقاد بأن المدينة تعاد صياغتها لمصلحة الاستثمار من دون موافقة أهلها.

 

ومع ذلك، يمكن وقف الخسارة فعليا إذا جمدت الأعمال فورا وشكلت لجنة مستقلة لحصر الأشجار والأراضي، ونشرت التراخيص ودراسات التأثير البيئي، وفتحت جلسة استماع حقيقية لسكان الأحياء المتضررة من التجريف.


وفي المحصلة، لا يتعلق الاعتراض برفض التطوير، بل برفض تطوير يهدم أصول المدينة الطبيعية ويستبدل الحدائق بمحال وأسوار، ثم يترك المواطنين وحدهم أمام حرارة أعلى وهواء أسوأ وزحام أكثر تماما.


وعندئذ، يجب إلزام أي مشروع بالحفاظ على الأشجار الناضجة ودمجها في التخطيط، مع ضمان عدم تغيير استعمال الحزام الأخضر، ومحاسبة المسؤولين عن أي إزالة تمت بلا سند أو دراسة معلنة.


وأخيرا، يوثق الفيديو بداية تحول خطير في العبور، حيث أزيلت 3 مساحات خضراء خلال 3 أشهر، بينما يهدد الصمت الرسمي الحزام الأخضر ويترك، وفق تقديرات الأهالي، نصف مليون مواطن أمام مدينة تفقد رئتها تدريجيا.