دفعت أزمات انقطاع الماء والكهرباء وارتفاع الأسعار تونس إلى حافة انفجار اجتماعي، بينما يتهيأ رئيس البلاد قيس سعيّد، وفق معطيات متداولة، لإطاحة جديدة بالحكومة وتحميلها كلفة فشل صنعته منظومة حكمه شديدة المركزية.

 

وفي المقابل، لم تعد وعود السلطة ولا اتهاماتها المتكررة لأطراف غامضة قادرة على تهدئة شارع يواجه الحر والعطش والغلاء، فيما تحولت الخدمات الأساسية إلى اختبار يومي يكشف عجز مؤسسات الدولة.

 

وبالتزامن مع ذلك، وقّع 61 نائباً بياناً يطالب بقطع العطلة البرلمانية وعقد جلسة استثنائية فوراً لمساءلة الحكومة، متجاوزين عتبة الثلث المطلوبة دستورياً، والمحددة بنحو 54 نائباً من مجموع أعضاء المجلس.

 

وفوق ذلك، وصف الموقعون الوضع بأنه بالغ الخطورة، بسبب انقطاع الماء والكهرباء وتدهور الصحة وانهيار القدرة الشرائية ونقص المواد الأساسية، محذرين من انتقال الأزمة إلى تهديد مباشر للأمن والسلم الاجتماعيين.

 

ومن ناحية أخرى، اتسعت الاحتجاجات من العاصمة إلى نابل وقابس وبنزرت، مدفوعة بعجز رسمي عن تأمين الاحتياجات اليومية، بينما تتحدث أوساط تونسية عن تعديل واسع أو إقالة رئيسة الحكومة قريباً.

 

وعلى هذا الأساس، قد يصبح التغيير المرتقب السابع من نوعه منذ وصول سعيّد إلى الرئاسة عام 2019، بعدما بدّل رؤساء الحكومات ست مرات من دون وقف تدهور الاقتصاد والخدمات العامة.

 

 

حكومة تدفع الثمن

 

بحسب ربيع قاسم، عضو حراك نفس، فإن تبديل الحكومة لا يقدم حلاً، بل يمثل محاولة لامتصاص الغضب وإبعاد المسؤولية عن الرئيس الذي جمع بيده القرار التنفيذي وحدد توجهات الحكومات المتعاقبة.

 

وفي السياق نفسه، يستعد الحراك لتنظيم مسيرة تحت شعار من أجل الحرية والكرامة، مؤكداً أنها ستأخذ شكلاً تصعيدياً غير مسبوق، وستشهد إعلان خطوات احتجاجية جديدة ومتواصلة ضد إدارة السلطة للأزمة.

 

كذلك، يربط قاسم بين انهيار خدمتي الماء والكهرباء والوفيات داخل السجون وغياب شروط الكرامة الإنسانية، ويرى أن انعدام الاستجابة الرسمية أغلق باب الحلول الجزئية ورفع سقف المطالب إلى استقالة سعيّد.

 

وعوضاً عن تقديم جدول زمني للإصلاح، يواصل الرئيس تفسير الأعطال والنقص باعتبارهما نتيجة تحركات تستهدف إثارة الفوضى، وهي رواية يرفضها المحتجون باعتبارها ستاراً يحجب الإخفاق ويعفي المسؤول الأول من المحاسبة.

 

فضلاً عن ذلك، يؤكد دستور سعيّد تمركز السلطة التنفيذية لدى رئيس الجمهورية، ما يجعل التضحية بالوزراء مناورة محدودة الأثر، لأن الحكومة تنفذ الخيارات التي يرسمها الرئيس ولا تملك استقلالاً فعلياً عنه.

 

ومن ثم، تبدو الإقالة المحتملة أقرب إلى إعادة توزيع للغضب منها إلى معالجة جذوره، خصوصاً أن الحكومات الست السابقة غادرت وبقيت الأزمات تتسع، من البطالة والغلاء إلى ندرة المياه واضطراب الكهرباء.

 

 

برلمان تحت الاختبار

 

وفقاً للنائب محمد علي، فإن بلوغ التوقيعات 61 يمنح طلب الجلسة الاستثنائية أساساً دستورياً واضحاً، بعدما تجاوز العدد الحد الأدنى البالغ 54 نائباً، مع توقع انضمام مزيد من أعضاء المجلس.

 

وفي غضون ذلك، يطالب النواب الحكومة بكشف حقيقي لحالة المرافق وخطط المواجهة، بعيداً عن الهروب إلى الأمام وتعليق الفشل على خصوم مجهولين، بينما يتحمل المواطن وحده كلفة الأعطال وارتفاع الحرارة.

 

مع ذلك، يواجه البرلمان نفسه اتهامات بالعجز والشكليّة، حتى إن النائب عبد القادر بن زينب دعا سعيّد إلى حله، محتجاً بتغول السلطة التنفيذية وفشل المؤسسة التشريعية عملياً في حماية اختصاصاتها.

 

وعلى النقيض، يرى منتقدو هذه الدعوة أن الإبقاء على الحكومة وحل البرلمان يعمقان اختلال السلطة، ويمنحان الرئاسة مساحة أوسع للانفراد بالقرار، بدلاً من فتح مساءلة علنية تحدد المسؤوليات وتفرض حلولاً.

 

في الأثناء، تكشف مطالبة نواب محسوبين على داعمي سعيّد بالجلسة حجم التحول داخل المجلس، إذ لم يعد التململ محصوراً في المعارضة، بل امتد إلى شخصيات ساندت خيارات الرئيس ودافعت عنها سابقاً.

 

وبهذا المعنى، تمثل الجلسة المقترحة اختباراً لقدرة البرلمان على تجاوز صورته الهامشية، لكنها لن تستعيد ثقة التونسيين ما لم تنتزع إجابات محددة ومواعيد تنفيذ وآليات رقابة ملزمة على الحكومة والرئاسة.

 

 

أزمة ثقة أوسع

 

حسب رياض الشعيبي، القيادي في جبهة الخلاص الوطني، فإن احتمال تغيير الحكومة بات وارداً مع اتساع الاحتجاجات، غير أن المشكلة تجاوزت الوزراء إلى بنية حكم تركز القرار منذ 25 يوليو 2021.

 

ومن جهة أخرى، يحذر الشعيبي من أن فشل أي تعديل حكومي في تحسين الخدمات سيحوّل سؤال الشارع من هوية المسؤولين داخل الحكومة إلى مسؤولية السياسات وطريقة إدارة الدولة ومن يحتكر القرار.

 

تبعاً لذلك، تصبح الأشهر المقبلة حاسمة بين استجابة توفر حلولاً اقتصادية واجتماعية ملموسة، أو اتساع أزمة الثقة على نحو يجعل إسقاط الحكومة عاجزاً عن تهدئة الشارع أو إنقاذ صورة الرئاسة.

 

أما المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فقد حذر من أن استمرار الإنكار وتأخير الاستجابة قد يدفعان البلاد إلى انزلاق اجتماعي خطير، مطالباً رئاسة الجمهورية بالمبادرة إلى حلول عاجلة قابلة للتنفيذ.

 

وبموازاة هذا التحذير، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل بدء التشاور مع منظمات المجتمع المدني استعداداً لتحرك وطني، ما يضيف ثقلاً منظماً إلى موجة غضب كانت حتى الآن موزعة بين المناطق والقطاعات.

 

إضافة إلى ذلك، يعكس نزول النقابات والحركات والنواب إلى ساحة الاعتراض تقلص قدرة السلطة على احتواء الأزمة بخطاب المؤامرة، بعدما صار انقطاع الماء والكهرباء تجربة ملموسة لا يمكن إنكارها أو تأجيلها.

 

وأخيراً، قد يطيح سعيّد بالحكومة فعلاً ليشتري هدنة مؤقتة، لكن الإقالة السابعة لن تبدد غضباً صنعته ست سنوات من تبديل الواجهات، ما لم يتحمل الرئيس مسؤوليته ويغير طريقة الحكم ومسار الإنفاق والخدمات.