وكشفت الوقائع أن ما يسمى الخط الأصفر لم يمنع الآليات الإسرائيلية من التقدم وإطلاق النار، بل تحول إلى غطاء لاقتطاع الأرض وتوسيع الخطر على السكان والمستشفيات والمزارعين شمالا وجنوبا أيضا.

 

واستشهد فلسطينيان أحدهما طفل، وأصيب آخرون الخميس برصاص جيش الاحتلال، بعدما تجاوزت آلياته الخط المعلن في شمال قطاع غزة، وفتحت نيرانها وسط مناطق مأهولة في بيت لاهيا دون سابق إنذار.

 

وبحسب شهود وناشطين، توغلت الدبابات وسط إطلاق نار كثيف في منطقتي عباس كيلاني ومحيط نادي بيت لاهيا، ما دفع عشرات الفلسطينيين إلى النزوح بحثا عن أماكن أبعد وأقل خطرا هناك.

 

وفي أعقاب التوغل، أخلى المسعفون مستشفى كمال عدوان في مشروع بيت لاهيا من طواقمه الطبية، إثر تعرضه لإطلاق نار مباشر من الآليات الإسرائيلية القريبة جدا من الخط الأصفر في المنطقة.

 

ورغم أن المستشفى كان يعمل بطاقة محدودة ويستقبل حالات معدودة يوميا، فإن تشغيله ظل ضروريا لتعزيز صمود الفلسطينيين وخدمة السكان الباقين في منطقة يطاردها القصف والنزوح وتقلص الخدمات الأساسية هناك.

 

في المقابل، زعم جيش الاحتلال أنه رصد مسلحا يعبر الخط الأصفر ويقترب من قواته بصورة تمثل تهديدا فوريا، مستخدما الرواية ذاتها لتبرير إطلاق النار والتحرك العسكري المتكرر في المنطقة أيضا.

 

كما ادعى الجيش أن قوات القيادة الجنوبية منتشرة وفق الاتفاق، وأنها ستواصل إزالة أي تهديد فوري، رغم أن شهادات السكان تحدثت عن دبابات تقدمت وأطلقت النار وأجبرت العائلات على النزوح.

 

وقبل ذلك، ظهر بنيامين نتنياهو داخل موقع عسكري أقيم قرب الخط الأصفر شمالي غزة، في جولة استعراضية سبقت انتخابات مقررة يوم 27 أكتوبر، مؤكدا بقاء قوات الاحتلال في المنطقة هناك.

 

وخلال الجولة، رافق نتنياهو رئيس أركان الجيش إيال زامير وقادة عسكريون، وتلقى إحاطات عن العمليات والمهام اليومية، بينما غابت حياة الفلسطينيين المحاصرين خلف الخط عن المشهد الدعائي ومطالبه الإنسانية الأساسية.

 

وبالتالي، يرسخ الخط واقعا يقتطع 60% من أراضي قطاع غزة، ولا يمثل مجرد علامة ميدانية، إذ يمنح الاحتلال مساحة للتوغل وإقامة المواقع العسكرية وإطلاق النار على الفلسطينيين القريبين كل يوم.

 

 

الزراعة تقاوم الحصار

 

وبالتزامن، افتتح مزارعو مواصي خان يونس موسم الجوافة بعد 3 سنوات من الحرب، متمسكين بمساحات محدودة نجت من الدمار، رغم ندرة المياه والكهرباء والأسمدة والأدوية الزراعية اللازمة للإنتاج والعمل الزراعي.

 

ومن ناحية أخرى، أصبحت الأراضي التي شهدت افتتاح الموسم بين المساحات القليلة المتبقية في المواصي، بعدما ضرب النزوح والدمار ونقص المياه القطاع الزراعي وقلص قدرة المزارعين على مواصلة العمل هناك.

 

ومع ذلك، يكافح المزارعون للحفاظ على أشجار الجوافة باعتبارها مصدرا لإعالة الأسر وتوفير العمل، في وقت تراجعت فيه المحاصيل المحلية وازداد اعتماد سكان غزة على الاستيراد عبر المعابر المحاصرة إسرائيليا.

 

أما قبل الحرب، فكان القطاع يعتمد بدرجة أكبر على إنتاجه الزراعي المحلي، بينما أدى تدمير الأراضي ونقص مستلزمات التشغيل إلى إضعاف المحاصيل ورفع الكلفة وتقليص قدرة الأسر على الصمود الذاتي.

 

وعلاوة على ذلك، تراجعت مساحة زراعة الجوافة في جنوب مواصي خان يونس من نطاق يتراوح بين 2000 و2500 دونم سابقا إلى نحو 200 دونم فقط خلال الموسم الحالي المتضرر.

 

ومن ثم، هبط محصول الجوافة في إحدى المزارع إلى نحو 30% من مستواه خلال الأعوام السابقة، بعدما حرمت الأشجار من التغذية المناسبة والمياه ومستلزمات الزراعة التي يحتاجها الإنتاج المستقر فعليا.

 

وفوق ذلك، لا تغطي أسعار المحصول تكاليف زراعته، ما يزيد أعباء المنتجين ويهدد استمرارهم، ويحرم العمال والأسر من دخل بالغ الأهمية في ظل انهيار الأنشطة الاقتصادية واتساع البطالة هناك أيضا.

 

وفي السياق ذاته، بات نحو 70% من شباب غزة بلا عمل، بينما أدى تجريف إحدى الأراضي وتخريبها إلى فقدان قرابة 200 عامل مصدر رزقهم المرتبط مباشرة بالزراعة المحلية بصورة كاملة.

 

لذلك يواصل بعض المزارعين العمل قرب الخط الأصفر وسط مخاطر أمنية مستمرة، وبينهم نازحون من رفح انتقلوا إلى مواصي خان يونس وتمسكوا بزراعة الأرض رغم القصف وإطلاق النار المتكرر هناك.

 

وبناء على التقديرات الأممية، تضرر نحو 87% من الأراضي المزروعة بقطاع غزة حتى أواخر سبتمبر 2025، بينها 89% من البساتين والأشجار، في حصيلة تكشف استهداف مقومات البقاء والغذاء في القطاع.

 

الأخطر أن أحدث تقييم مشترك أظهر بقاء 3% فقط من أراضي القطاع المزروعة متاحة وغير متضررة، ما يحول موسم الجوافة المحدود إلى محاولة نجاة داخل بيئة زراعية شبه مدمرة كلها.

 

 

مداهمات تطارد الضفة

 

وعلى الضفة الأخرى، اعتقلت قوات الاحتلال 21 فلسطينيا خلال مداهمات فجر الخميس، بينهم صحفي وأب ونجلاه، ضمن حملة واسعة ومتزامنة شملت بيت لحم ونابلس وسلفيت والخليل ورافقتها عمليات تفتيش وتخريب.

 

وتوزعت الاعتقالات بواقع 7 فلسطينيين في بيت لحم و9 في نابلس و4 في سلفيت، إضافة إلى صحفي من بلدة إذنا غرب الخليل، وفقا لبيان مكتب إعلام الأسرى في الضفة الغربية.

 

وأخيرا، تجمع الاعتقالات والتوغل وتجريف الزراعة مشهدا واحدا، إذ يلاحق الاحتلال الفلسطيني داخل منزله وأرضه ومستشفاه، بينما تتصاعد الانتهاكات منذ 8 أكتوبر 2023 بالتوازي مع هجمات المستوطنين والهدم والمصادرة المتواصلة.