يكشف اختفاء المصارع محمد مصطفى علي الشامي من بعثة منتخب مصر في مطار روما، بعد أيام من واقعة زياد حجاج، أزمة أعمق من مغادرة لاعب، إذ يربط بيان الشامي قراره بضيق المعيشة وغياب الأمان.

 

ويضع بيان اللاعب الطويل، الذي اعتذر فيه لأسرته وشرح دوافعه، إنجازات الألعاب الفردية أمام اختبار قاس، فالميداليات ترفع العلم مؤقتًا، لكنها لا تضمن للاعب دخلًا يحميه من الإصابة أو الاعتزال.

 

واقعة الترانزيت

 

وبحسب تقارير رياضية متعددة، كان الشامي ضمن بعثة منتخب مصر للمصارعة المشاركة في دورة ألعاب البحر المتوسط بمدينة تارانتو الإيطالية، قبل توجه الفريق إلى روما استعدادًا لرحلة العودة إلى القاهرة.

 

وخلال فترة الترانزيت، تسلم الشامي جواز سفره من مسؤول البعثة، ثم غادر محيط زملائه ولم يعد، ما دفع مدربه إلى البحث عنه داخل المطار، قبل تخلفه عن رحلة العودة المرتقبة.

 

وبعد الواقعة، قالت وزارة الشباب والرياضة إن رئيس الوفد كان يفترض أن يحتفظ بجوازات سفر جميع أفراد البعثة، لكن الإجراء لم يطبق، فأتاحت الثغرة للاعب مغادرة المجموعة دون رصد فوري.

 

ومن جهتها، أحالت الوزارة واقعة الشامي وواقعة زياد حجاج إلى النيابة العامة، بينما أوقفت اللجنة الأولمبية رئيس الوفد وأحالته إلى لجنة القيم للتحقيق في التقصير الإداري داخل البعثة المصرية رسميًا.

 

وعلى الرغم من الطابع الإجرائي للواقعة، فإن الاكتفاء بمراجعة الجوازات يغفل السؤال الأهم، لماذا وجد لاعب يمثل بلاده أن مغادرة البعثة مخاطرة أقل من استمرار حياته الرياضية داخلها وفي وطنه.

 

اعتذار ودافع اقتصادي

 

ثم بدأ الشامي بيانه باعتذار مباشر إلى والده وأسرته، مؤكدًا ندمه على ما حدث، ومشيرًا إلى أنه لم يتمن الوصول إلى هذه المرحلة بعد سنوات طويلة قضاها في التدريب والمنافسات.

 

وأوضح اللاعب أنه بدأ ممارسة المصارعة في السابعة من عمره، وحلم برفع علم مصر وتحقيق ميدالية أولمبية، ونجح في المشاركة ببطولات أفريقية ودولية عديدة قبل أن يختار مغادرة البعثة المصرية.

 

وفي أكثر فقرات البيان وضوحًا، قال الشامي إن والده تعب وإن الحياة أصبحت صعبة، وإن كونه الابن الأكبر جعله يشعر بضرورة التضحية وتحمل مسؤولية الأسرة كاملة، رغم صغر سنه وقلة دخله.

 

لذلك، ربط اللاعب قراره بعجزه عن طلب المزيد من والده، مؤكدًا أن الدعم الذي يحصل عليه لا يوفر حياة كريمة ولا يغطي احتياجاته الأساسية، وهو اعتراف يضع التمويل الرياضي تحت المساءلة.

 

كما أن مخاوفه لم تتعلق بالحاضر فقط، بل امتدت إلى ما بعد الإصابة أو الاعتزال، متسائلًا عن مصيره إذا توقف عن المصارعة بعد كل ما قدمه باسم المنتخب والبلاد طوال سنوات.

 

ومن ثم، يكشف البيان غياب شبكة أمان واضحة للاعبي الألعاب الفردية، حيث قد يتحول الإنجاز الدولي إلى سنوات من القلق بمجرد تراجع النتائج أو تعرض الجسد لإصابة تعطل المسيرة الرياضية.

 

دعم بلا ضمانات

 

وبحسب واقع الألعاب الفردية، يتحمل اللاعب غالبًا كلفة التدريب والسفر والتجهيزات والوقت الضائع من التعليم والعمل، بينما لا توازي المكافآت المنتظمة حجم التضحية المطلوبة للوصول إلى المنتخب والمحافل الدولية الكبرى.

 

ومن ناحية أخرى، لا تنتهي مسؤولية المؤسسات عند إعداد البعثة أو توفير الملابس، بل تشمل حماية اللاعب من الفقر والإصابة، وضمان العلاج والتأهيل، وفتح طريق مهني واضح بعد نهاية المنافسة.

 

ويقول أستاذ الإدارة الرياضية كمال درويش إن تطوير الرياضة يحتاج إلى إدارة احترافية وموارد مستقرة وخطط معلنة ومحاسبة واضحة، لا إلى الاعتماد على الجهود الفردية أو الحماس المؤقت عقب البطولات.

 

ويؤكد درويش أن الألعاب القادرة على تحقيق ميداليات تحتاج رعاية مستمرة وتأمينًا حقيقيًا ومسارًا مهنيًا، لأن تحويل اللاعب إلى مشروع موسمي يهدد الاستمرارية ويترك المواهب أمام بدائل خارجية أكثر جذبًا.

 

كذلك يرى أستاذ الإدارة الرياضية أشرف صبحي أن عقود الرعاية تمثل خطوة لتوفير منظومة دعم متكاملة للأبطال الأولمبيين، غير أن اتساع الحاجة يتطلب وصول الرعاية إلى اللاعبين قبل بلوغ القمة.

 

وعلاوة على ذلك، يلفت بطل العالم السابق في الإسكواش علي فرج إلى أن الألعاب الفردية تحتاج اهتمامًا أكبر، لأن المواهب قد تهدر حين لا تجد بيئة تدريب ورعاية تحمي تطورها.

 

وبناءً على ذلك، لا يمكن تفسير واقعة الشامي باعتبارها خللًا فرديًا فقط، فاختيار لاعب شاب مواجهة المجهول يكشف فشلًا مؤسسيًا في إقناعه بأن مستقبله داخل الرياضة قابل للحياة الكريمة المستقرة.

 

ووفقًا لشهادة اللاعب في بيانه، لم يكن الدافع رغبة عابرة في السفر، بل ضغطًا متراكمًا جمع بين مسؤولية الأسرة وضعف الدخل والخوف من مستقبل بلا حماية بعد انتهاء اللعب والمنافسة.

 

مسؤولية لا تنتهي

 

وفي المقابل، تحتاج الاتحادات إلى إعلان قيمة الدعم الشهري والمكافآت والتأمين الطبي والتقاعدي، حتى يعرف اللاعب ما ينتظره، ولا تبقى العلاقة قائمة على الوعود الشفهية والتقديرات المتغيرة غير المعلنة رسميًا.

 

كما ينبغي فصل التحقيق في مخالفة السفر عن بحث ظروف اللاعب، فالمساءلة الإدارية ضرورية، لكنها لا تلغي حق الجمهور في معرفة أسباب تكرار مغادرة لاعبي البعثات الوطنية ومسؤولية المؤسسات عنها.

 

ومن جهته، يتطلب علاج الأزمة إنشاء صندوق دائم للاعبي الألعاب الفردية، يمول من الموازنة والرعاية والقطاع الخاص، ويقدم دعمًا للإصابات والتأهيل والتعليم والعمل بعد الاعتزال وفي أثناء التعافي الطويل والاحتياج.

 

وفي النهاية، لا تكفي عودة البعثة أو معاقبة المسؤولين، لأن حماية المنتخبات تبدأ بإزالة الأسباب التي تجعل اللاعب يرى مستقبله خارجها، وتستمر بضمان كرامته ودخله ومستقبله قبل الميدالية وبعدها دائمًا.