تواجه نحو 600 أسرة تعتمد على محلات ومشروعات مارينا ومرابيلا السياحيتين خطر فقدان مصدر رزقها، بعد رفع جهاز القرى السياحية رسوم إشغال المساحات الخارجية إلى ما بين 15 و20 جنيهًا للمتر يوميًا، في قرار يهدد بإغلاق أنشطة موسمية لا تعمل فعليًا سوى أشهر قليلة من العام.

 

وتكشف الأزمة مفارقة قاسية: فبينما تُطرح تنمية الساحل الشمالي باعتبارها بوابة للاستثمار والسياحة، يتحمل أصحاب المشروعات الصغيرة كلفة قرارات ثابتة لا تراعي طبيعة النشاط الموسمي ولا القدرة الفعلية للعمال والأسر المرتبطة به.

 

 

قرار يطارد موسمًا قصيرًا هشًا

 

قالت الدكتورة مي محمد عبد العزيز، المتحدثة باسم عدد من أصحاب المحلات في مارينا ومرابيلا، إن القرار صدر عن جهاز القرى السياحية التابع لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بوزارة الإسكان.

 

وبحسب ما أعلنته، ارتفع رسم الإشغال اليومي للمتر المربع من 2.5 جنيه في سنوات سابقة، إلى ما بين 3.5 و5 جنيهات العام الماضي، قبل أن يقفز إلى نطاق يتراوح بين 15 و20 جنيهًا حاليًا.

 

تعني هذه القفزة أن الرسم، عند احتساب الحد الأعلى مقارنة برسم 3.5 جنيهات، يزيد بنحو 471%، بينما يصل الارتفاع مقارنة بسعر 2.5 جنيه إلى 700%.

 

ولا تبدو المساحات الخارجية في هذه الحالة رفاهية تجارية يمكن الاستغناء عنها؛ فالمطاعم والكافيتريات في القرى الساحلية تعتمد على الجلوس المفتوح بوصفه جزءًا من الخدمة التي يقصدها الزائر أصلًا.

 

وينطبق الأمر على أنشطة تأجير الدراجات وألعاب الأطفال، إذ تحتاج مساحة آمنة بعيدة عن الطرق وحركة المركبات، ما يجعل الإشغال الخارجي هو حيز العمل الفعلي لا مجرد امتداد للمحل.

 

ويقول أصحاب المحلات إن مطالبتهم بتوقيع «إقرار التزام» بالرسوم الجديدة أصبحت شرطًا لتجديد التراخيص، وإدخال البضائع، واستمرار النشاط.

 

هنا تتحول الرسوم من تكلفة تشغيل قابلة للنقاش إلى أداة ضغط تمس حق المشروع في البقاء، خصوصًا حين لا يملك صاحب النشاط بديلًا فعليًا للمساحة الخارجية.

 

ويرى الخبير السياحي الدكتور محمد عثمان، رئيس لجنة تسويق السياحة الثقافية بالأقصر، في تحليلاته المتكررة لقطاع السياحة أن تجربة الزائر والخدمة المتكاملة جزء من تنافسية المقصد؛ وبالقياس على مارينا ومرابيلا، فإن تحميل الخدمة الساحلية رسومًا لا تتناسب مع موسمها يهدد التجربة السياحية نفسها.

 

 

الكلفة تتجاوز الإيجار وتلتهم الربح

 

إلى جانب رسوم الإشغال، يشكو أصحاب المحلات من زيادات متوازية في المياه والخدمات والضرائب العقارية ورسوم الملاهي، بما يراكم الأعباء على نشاط محدود الدخل والزمن.

 

وتشير الشكوى إلى ارتفاع سعر متر المياه المكعب من 19 جنيهًا إلى 40 جنيهًا، أي زيادة تتجاوز الضعف، في منطقة تعتمد فيها المطاعم والكافيتريات على استهلاك خدمي مرتفع خلال أشهر الصيف.

 

لكن رقم 120 ألف جنيه شهريًا، الذي أورده المتضررون كرسوم إشغال لمساحة 100 متر، يحتاج إلى توضيح رسمي دقيق من الجهاز.

 

فالحساب المباشر لمساحة 100 متر بسعر 20 جنيهًا يوميًا لمدة 30 يومًا ينتج 60 ألف جنيه، لا 120 ألفًا؛ ما يرجح وجود مدة احتساب مختلفة أو مساحة إضافية أو رسوم أخرى مضافة لم تُفصل بعد.

 

وهذا التناقض الحسابي لا ينفي جسامة الأزمة، بل يزيد الحاجة إلى نشر جدول رسوم واضح يبين السعر، والمساحة، وفترة التحصيل، والخدمات الملحقة، وآلية الاعتراض.

 

فلا يمكن مطالبة أصحاب المشروعات بتوقيع التزامات مالية واسعة بينما تبقى عناصر التكلفة النهائية غير معلنة بصورة تسمح لهم بتقدير الجدوى أو التخطيط للموسم.

 

ويحذر الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة، أستاذ التمويل والاستثمار، في مداخلاته حول بيئة الأعمال من أن الرسوم الثابتة المرتفعة تضغط على المشروعات الصغيرة أكثر من الكيانات الكبيرة، لأنها لا ترتبط بحجم الإيراد الفعلي أو بهامش الربح المتقلب.

 

وفي مارينا ومرابيلا، لا تعمل المحلات طوال العام بالمستوى نفسه؛ بل تواجه فترة ذروة قصيرة، ثم شهور طويلة منخفضة الحركة، وهو ما يجعل الرسم اليومي المرتفع أخطر من رسم سنوي متدرج أو مرتبط بالإيراد.

 

كما أن نقل العبء إلى أسعار الطعام والسلع والترفيه ليس حلًا حقيقيًا، لأن المستهلك سيدفع الثمن، وقد تتراجع القدرة الشرائية للزائر بدلًا من زيادة حصيلة النشاط.

 

 

بين خطاب التنمية وحقوق الأسر

 

قدم أصحاب المحلات شكوى جماعية مقيدة برقم 124260068451، مطالبين بإعادة النظر في قيمة الإشغالات وآثارها على المشروعات والعمالة.

 

وبحسب روايتهم، أُحيل التظلم إلى نائب رئيس الهيئة مرفقًا بخطاب صادر عن جهاز القرى السياحية برقم 3701 بتاريخ 16 أغسطس 2026.

 

ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة لأن الجهاز نفسه، وفق ما يورده المتضررون، خاطب الهيئة في 21 يوليو 2026 طالبًا تخفيض الرسم من 20 جنيهًا إلى 6 جنيهات للمتر يوميًا.

 

إذا ثبتت صحة هذا الخطاب، فهو يعني أن الجهة المنفذة أدركت من واقع التشغيل أن السعر المقرر لا ينسجم مع تكاليف النشاط ولا مع القدرة الفعلية للمستثمرين الصغار.

 

والمطلوب هنا ليس إلغاء حق الدولة في تنظيم الإشغالات أو تحصيل مقابل عادل للمرافق العامة، بل وضع تسعير منطقي وشفاف يراعي موسمية المنطقة وطبيعة كل نشاط ومساحته.

 

ويرى أستاذ التخطيط العمراني الدكتور خالد حسين أن التخطيط السليم للخدمات لا يقوم على معيار موحد يفرض على أماكن مختلفة، بل على فهم خصوصية المكان ووظيفة المساحة؛ وهو مبدأ يجعل معاملة المساحات الساحلية المفتوحة كأي إشغال تجاري عادي محل مراجعة ضرورية.

 

كما تتطلب الأزمة حماية واضحة للمشروعات التي يديرها كبار السن وذوو الهمم، بدل تركها تواجه مضاعفة الرسوم من دون تسهيلات أو شرائح دعم محددة.

 

فالحديث عن استثمار سياحي مستدام يفقد معناه إذا انتهى التطوير إلى تقليص المحلات الصغيرة ورفع الأسعار وإضعاف فرص العمل التي تعيش عليها مئات الأسر.

 

وتبقى الاستغاثة الأساسية لـ600 أسرة: تجميد الزيادة مؤقتًا، وإعلان تفاصيل التسعير، ودراسة أثره على العمالة، ثم اعتماد رسوم متدرجة تتناسب مع الموسم ومساحة النشاط وقدرته الحقيقية على الاستمرار.