تترقب ملايين الأسر في مصر قرار لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، بعد أن رفعت حكومة الانقلاب في 10 مارس أسعار البنزين والسولار بنحو 3 جنيهات للتر، لتبقى السوق معلقة بين تقلبات النفط عالميًا واحتمال تحميل المواطن فاتورة جديدة.
ولا يقتصر الخوف على مالكي السيارات؛ فكل زيادة في الوقود تنتقل سريعًا إلى أجرة المواصلات وأسعار الخضروات والسلع وتكلفة الإنتاج، بينما تتآكل دخول الأسر قبل أن تصل إليها أي حماية حقيقية من الغلاء.
زيادة مارس لم تنته آثارها
رفعت حكومة الانقلاب سعر لتر بنزين 80 من 17.75 إلى 20.75 جنيهًا، وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهًا.
كما قفز سعر لتر السولار من 17.50 إلى 20.50 جنيهًا، وهي الزيادة الأخطر اجتماعيًا لأن السولار ليس وقودًا للسيارات الخاصة فقط، بل أساس النقل الجماعي ونقل البضائع وتشغيل معدات الإنتاج والزراعة.
وشملت الزيادة أسطوانة البوتاجاز المنزلية، التي ارتفع سعرها الرسمي من 225 إلى 275 جنيهًا، بينما صعد سعر الأسطوانة التجارية من 450 إلى 550 جنيهًا.
وارتفع سعر غاز تموين السيارات من 10 إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب، لتتسع دائرة الأعباء من البنزين والسولار إلى أنشطة النقل والخدمات والأسر التي تستخدم الغاز والطاقة في حياتها اليومية.
وجاءت الزيادة في مارس تحت ذريعة ارتفاع تكلفة الاستيراد والإنتاج عالميًا وزيادة أسعار الشحن والتأمين، لكن هذه التبريرات لا تمحو أثر القرار على مواطن يدفع بالفعل أسعارًا مرتفعة للغذاء والسكن والمواصلات.
ويؤكد حسن نصر، رئيس شعبة المواد البترولية باتحاد الغرف التجارية، استقرار توافر البنزين والسولار في السوق وعدم وجود شكاوى من نقص الإمدادات، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن قرار الزيادة أو التثبيت لا يمكن حسمه قبل إعلان اللجنة المختصة.
لكن توافر الوقود لا يعني أن المواطن في مأمن؛ فالأزمة ليست في العثور على لتر بنزين أو أسطوانة غاز، بل في القدرة على دفع ثمنهما من دون أن تتقلص ميزانية الطعام أو العلاج أو التعليم.
وحتى الآن، لم تعلن الحكومة موعدًا محددًا لاجتماع لجنة التسعير المقبل، رغم تأكيدها عودة المراجعة الدورية للأسعار خلال الربع الأول من السنة المالية 2026-2027.
السولار ينقل الغلاء لكل بيت
يمثل السولار الحلقة الأسرع في نقل تكلفة الوقود إلى كل بيت، لأنه يدخل في سيارات الأجرة والميكروباصات والشاحنات والجرارات ومولدات الكهرباء ونقل المحاصيل والسلع.
ولهذا لا يحتاج المواطن إلى امتلاك سيارة حتى يتضرر من رفع السعر؛ فزيادة تكلفة نقل صندوق الخضروات أو شحنة الدقيق أو أسطوانة الغاز تنتهي عادة في سعر يفرضه التاجر على المستهلك.
وفي مارس، لم تتوقف آثار زيادة الوقود عند محطات البنزين، بل تحولت إلى ضغوط تضخمية جديدة على الأسواق، في وقت كانت فيه الأسر تواجه أصلًا ارتفاعًا في تكلفة المعيشة.
وتشير بيانات رسمية سابقة إلى أن التضخم في المدن سجل 13.4% في فبراير 2026، قبل أن تضيف زيادة الوقود عاملًا جديدًا إلى موجة ارتفاع الأسعار.
والخطر الأكبر في أي تحريك جديد للأسعار هو أن الحكومة قد تعلن نسبة محدودة على الورق، بينما تتضاعف آثارها عمليًا عبر الأجرة وأسعار النقل والتوزيع والخدمات والسلع الأساسية.
ويؤكد الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن تحريك أسعار المحروقات يعد من العوامل الأساسية المؤثرة في التضخم، لأن أثره يمتد عبر قطاعات الاقتصاد وليس داخل محطة الوقود وحدها.
أما حديث الحكومة عن استقرار السوق فيجب أن يقاس بأسعار السلع في الأحياء والقرى، لا فقط بانتظام ضخ الوقود داخل المحطات، لأن استقرار الإمداد لا يساوي استقرارًا في معيشة المواطنين.
ويصبح السولار أكثر حساسية لأنه يمس الفلاح والناقل والعامل وصاحب المخبز والتاجر الصغير، أي أنه ينقل أعباء القرار من خزينة الدولة إلى سلسلة طويلة تنتهي بالمستهلك الأضعف.
لجنة غامضة وأسر بلا حماية
تقول الحكومة إن لجنة التسعير التلقائي تراجع أسعار الوقود وفق متغيرات عالمية ومحلية، منها أسعار النفط وسعر الصرف وتكلفة الاستيراد والإنتاج.
لكن المواطن لا يطلع على الحسابات التفصيلية التي تُبنى عليها القرارات، ولا يعرف حجم الدعم الذي ما زال قائمًا، ولا كيف تُوزع تكلفة التقلبات العالمية بين الموازنة العامة والأسر محدودة الدخل.
كما أن غياب موعد معلن للاجتماع يوسع دائرة القلق والشائعات، ويترك السوق مفتوحًا للتكهنات، فيما تضطر الأسر إلى تأجيل قراراتها أو الاستعداد لارتفاعات جديدة من دون معلومات رسمية كافية.
وتؤكد الحكومة أن اللجنة قد تقرر التثبيت أو الخفض أو الزيادة، لكن التجربة الفعلية تجعل الناس أكثر حساسية لأي حديث عن «المراجعة»، لأن القرارات السابقة كانت تتجه غالبًا إلى جيوب المستهلكين.
وقال المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق، إن تثبيت الأسعار هو السيناريو الأقرب في المرحلة الحالية رغم ارتفاعات الأسواق الدولية، لكنه أشار إلى أن اللجنة تدرس أيضًا تكلفة المنتجات البترولية المكررة وليس سعر خام النفط وحده.
وهذا التقييم يوضح أن الحديث عن انخفاض النفط عالميًا لا يكفي وحده للاطمئنان، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا عن سبب غياب كشف دوري ومفهوم للرأي العام يوضح تكلفة الاستيراد وهامش التسعير وأسباب كل قرار.
كما أن الاعتماد الكبير على استيراد جانب من الاحتياجات البترولية يجعل المواطن أكثر عرضة للصدمات الخارجية، بينما لا يملك دخلُه مرونة كافية لمواجهة موجات الغلاء المتتالية.
والمطلوب قبل أي زيادة محتملة هو إعلان موعد اللجنة ومعايير قرارها بشفافية، ونشر تقدير واضح لتأثير الزيادة على النقل والسلع، مع إجراءات ملزمة لمنع استغلال التجار للقرار في رفع الأسعار بلا رقابة.
كما يجب أن تتحول الحماية الاجتماعية من وعود عامة إلى تعويضات ملموسة للأسر الأكثر تضررًا، خصوصًا العمال الذين يعتمدون على المواصلات يوميًا، والفلاحين، وأصحاب الدخل المحدود.
فالمصري لا يخشى قرار الوقود لأنه رقم جديد على لوحة محطة البنزين، بل لأنه يعرف أن لتر السولار حين يرتفع يفتح بابًا جديدًا للغلاء، وأن الحكومة تتركه في النهاية وحده أمام فاتورة لا تتوقف عن الزيادة.

