أثار الإعلامي المصري توفيق عكاشة، عبر منصة «إكس»، تساؤلًا علنيًا بشأن تجاوز عدد مشتركي قناتي الإعلاميين المعارضين محمد ناصر وأسامة جاويش حاجز المليون لكل منهما، وسأل وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان ومسؤولي شركة المتحدة للخدمات الإعلامية عن أسباب ما وصفه بتحقيق برنامجيهما أعلى نسب مشاهدة بين المصريين، قبل أن يحذف تدوينته بعد ساعات.


ويأتي السؤال وسط نقاش مجتمعي أوسع حول قدرة الإعلام المحلي على التعبير عن الضغوط اليومية التي يعيشها المواطن، من الأسعار والخدمات إلى القرارات السياسية والاقتصادية، فيما يبحث قطاع من الجمهور عن روايات وتحليلات بديلة عبر «يوتيوب» والمنصات الرقمية، في مشهد يضع مسألة الثقة قبل مسألة الإمكانات التقنية أو كثرة القنوات.
وكتب عكاشة مخاطبًا رشوان: «لماذا تحقق برامج محمد ناصر وأسامة جاويش أعلى نسب مشاهدة ويجلس أمامهم المصريين؟»، ثم توجه بسؤال آخر عما إذا كان وزير الإعلام أو أحد مسؤولي «المتحدة» سيقدم إجابة عن هذه الظاهرة.


وتكتسب التساؤلات وزنًا إضافيًا بسبب موقع عكاشة نفسه داخل تاريخ الإعلام المصري؛ إذ عُرف لسنوات بخطابه المؤيد للسلطة، قبل ابتعاده عن الظهور التلفزيوني وانتقاله إلى الإمارات، ما جعل انتقاده الضمني لأداء الإعلام المحلي محل اهتمام يتجاوز مجرد المنافسة بين مقدمي البرامج.


وبحسب ما نشره موقع «عربي21»، حذف عكاشة التدوينة بعد ساعات، بينما أعادت حسابات وصفحات مصرية تداولها وربطتها بالدعوات الرسمية الأخيرة لتطوير الإعلام، وهو ما جعل الحذف جزءًا من الجدل بدل أن ينهيه.
 

 

سؤال عكاشة يكشف فجوة المشاهدة

 


وتأتي الواقعة بعد أسابيع من توجيهات رسمية بفتح المجال أمام «الحوار الإعلامي الموضوعي» الذي يشمل الرأي والرأي الآخر، وهي توجيهات ناقشها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مع ضياء رشوان في يوليو الماضي ضمن ملف تطوير منظومة الإعلام المصري.


كما أعلن رشوان في أغسطس الجاري أن تطوير الإعلام يجب أن يتضمن تعزيز دور الصحافة والإعلام وفتح المجال أمام تعدد الآراء، بينما سبق أن قال أمام مجلس النواب في أبريل إن الإعلام الذي لا يقوم على «المكاشفة والوضوح» هو إعلام خاسر، وإن التعامل مع الرأي العام يتطلب الاعتراف بالنقد الموضوعي وليس الاكتفاء بالدفاع المطلق.


وفي هذا السياق، يقدم خبير الإعلام والاتصال **ياسر عبد العزيز** تفسيرًا مهمًا لسلوك الجمهور، إذ كتب في أغسطس 2026 أن المتلقي قد يعلن تفضيله للمحتوى الدقيق والمتوازن، لكنه يمنح فعليًا جانبًا كبيرًا من وقته للمحتوى الأسرع والأكثر إثارة واستفزازًا، معتبرًا أن النقرات تكشف سلوكًا قد يختلف عن الإجابات النظرية في استطلاعات الرأي.


ولا تعني ملاحظة عبد العزيز أن النجاح الرقمي للمعارضة دليل تلقائي على تفوقها المهني، لكنها تكشف أن تجاهل اتجاهات الجمهور أو اختزالها في اتهامات سياسية لا يفسر لماذا يختار مئات الآلاف برنامجًا بعينه ولا يختارون برنامجًا آخر رغم توفره أمامهم.


وتملك شركة المتحدة للخدمات الإعلامية شبكة ضخمة تضم، وفق بياناتها الرسمية، أكثر من 40 شركة و17 قناة تلفزيونية و10 منصات إخبارية رقمية، وهو حجم يمنحها إمكانات إنتاج وانتشار يصعب مقارنتها بقدرات مقدم برنامج مستقل يعمل أساسًا عبر الإنترنت.


لكن ضخامة البنية لا تضمن وحدها ولاء المشاهد؛ فالمنافسة الرقمية ألغت عمليًا احتكار جهاز التلفزيون، وأصبح بإمكان المواطن الانتقال في اللحظة نفسها من برنامج تبثه قناة مصرية إلى بث معارض خارج البلاد، وهو تحول يجعل جودة المحتوى وحرية الأسئلة وسرعة التفاعل أكثر أهمية من عدد الاستوديوهات.


ويكتسب هذا الأمر حساسية إضافية مع الانتقادات المتعلقة بتركيز سوق الإعلام؛ إذ قالت لجنة حماية الصحفيين في تقرير سابق إن شركة المتحدة مرتبطة بصورة وثيقة بأجهزة الدولة، ووثقت حالات وقف برامج أو إنهاء تعاقدات عقب انتقادات للأداء الحكومي، بينما لم ترد الشركة وقتها على طلب اللجنة للتعليق.


الأرقام تفضح ارتباك الإعلام المحلي


وتؤكد البيانات المتاحة على الأقل أن محمد ناصر وأسامة جاويش يمتلكان قاعدة رقمية كبيرة؛ إذ تجاوز عدد مشتركي قناة كل منهما على «يوتيوب» مليون مشترك، إلى جانب حضورهما عبر منصات أخرى، وهو ما يجعل سؤال عكاشة عن أسباب الجذب مشروعًا حتى لو ظلت عبارة «الأعلى مشاهدة في مصر» بحاجة إلى تدقيق إحصائي مستقل.


غير أن المشكلة المهنية في تدوينة عكاشة هي أن عدد المشتركين لا يساوي بالضرورة «نسبة المشاهدة»، كما أن مجموع المشاهدات التراكمية لا يثبت أن برنامجًا ما يحتل المرتبة الأولى بين المصريين خلال فترة زمنية محددة.


فإثبات مثل هذا الادعاء يحتاج إلى جهة قياس مستقلة تحدد عدد المشاهدين الفريدين، ومتوسط زمن المشاهدة، وموقع الجمهور جغرافيًا، ونسب المشاهدة التلفزيونية والرقمية في التوقيت نفسه، وهي بيانات لا تتوافر علنًا بما يسمح بالجزم بترتيب ناصر أو جاويش على مستوى مصر.

 

وتشير أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام **منى الحديدي** إلى عامل أكثر جوهرية، إذ قالت في أغسطس 2026 إن الجمهور لم يهجر التلفزيون والراديو بالكامل، وإن استمرار أي وسيلة إعلامية مرهون بجودة المحتوى وقدرته على تلبية احتياجات المتلقي.


وتقود هذه الملاحظة مباشرة إلى جوهر الأزمة؛ فإذا كان الجمهور لا يرفض التلفزيون في ذاته، فإن تراجعه عن برنامج أو قناة بعينها يصبح مرتبطًا بدرجة أكبر بما تقدمه الشاشة وبمدى إحساس المشاهد بأن قضاياه وأسئلته موجودة فيها.


كما تتمتع المنصات الرقمية بميزة لا تستطيع الخريطة التلفزيونية التقليدية تجاهلها، وهي مشاهدة المحتوى في الوقت الذي يختاره المستخدم، وإعادة المقاطع وتداولها والوصول مباشرة إلى مقدم البرنامج، وهو ما يغير شكل العلاقة بين الإعلامي والجمهور ويجعل المنافسة على الانتباه أكثر حدة.


وفي الوقت نفسه، لا ينبغي الوقوع في الاتجاه المقابل واعتبار ارتفاع مشاهدات برامج المعارضة دليلًا بذاته على الدقة أو المهنية؛ فالمحتوى السياسي الحاد قد يستفيد كذلك من الاستقطاب والغضب والخوارزميات التي تكافئ التفاعل والإثارة، وهي عوامل لا تعادل بالضرورة جودة العمل الصحفي.


لكن هذا التحفظ لا يعفي الإعلام المحلي من سؤال المحتوى: لماذا يبحث مواطن يعيش داخل مصر عن شرح لأزماته عند إعلامي يعمل خارجها؟ ولماذا تصبح ملفات الأسعار أو الديون أو الخدمات أو الحريات أكثر حضورًا في بعض المنصات المعارضة من برامج تملك موارد أكبر بكثير؟.


ومن ثم، فإن الرد المهني على عكاشة لا ينبغي أن يكون إنكار أرقام المنافسين أو مهاجمتهم سياسيًا، وإنما نشر مؤشرات مشاهدة قابلة للتدقيق، وتحليل الفئات العمرية وموضوعات الاهتمام وأسباب انتقال الجمهور بين التلفزيون والمنصات.


الحرية مفتاح استعادة ثقة الجمهور


ويعيد الجدل إلى الواجهة تشخيصًا سبق أن قدمه أستاذ الإعلام ومدير مركز كمال أدهم بالجامعة الأمريكية حسين أمين، عندما تحدث عن تراجع قدرة الإعلام المصري على المنافسة إقليميًا ودوليًا، وربط ضعف القنوات وانحسار تأثيرها بظهور «أزمة ثقة بين الإعلام الحكومي والشعب».


ورغم أن تصريحات أمين تعود إلى سنوات سابقة، فإن أهميتها تكمن في أن المشكلة التي وصفها لم تكن تقنية فقط؛ فقد ركز على حق المشاهد في المعرفة وعلى الحاجة إلى إعلام يغطي الشأن المصري بصورة رفيعة، وهي معايير ما زالت مطروحة داخل لجان تطوير الإعلام حتى اليوم.


ويعني ذلك أن تحديث الاستوديوهات أو زيادة المنصات لا يحسم أزمة الثقة إذا ظل المواطن يشعر بأن بعض الأسئلة الأساسية لا تُطرح، أو أن حدود النقاش تحدد مسبقًا ما يمكن قوله وما يجب تجنبه.


وقد انتهى التقرير النهائي للجنة تطوير الإعلام المصري، الذي جاء بعد أكثر من 175 ساعة عمل و165 ورقة، إلى توصيات شملت دعم الحريات وتعزيز مصداقية المحتوى وتحديث العلاقة مع الجمهور واحترام عقله، وهي اعترافات مؤسسية بأن المشكلة تتجاوز الشكل والتكنولوجيا إلى مضمون الرسالة الإعلامية نفسها.


وفي هذا السياق، يمنح حذف عكاشة تدوينته الواقعة دلالة إضافية؛ فالسؤال الذي كان يمكن أن يتحول إلى نقاش مهني بالأرقام اختفى من حساب صاحبه، لكنه بقي متداولًا، بما يعكس مفارقة عصر المنصات: حذف المنشور لا يحذف القضية التي أثارها ولا يمنع الجمهور من إعادة نشرها.


وفي جانب آخر من ردود الفعل، هاجم الصحفي صلاح بديوي عكاشة بعبارات شخصية حادة أثناء إعادة طرح السؤال، وهو نموذج يوضح كيف يمكن أن ينحرف النقاش من تقييم الإعلام وسياساته إلى تبادل الاتهامات والأوصاف، بينما تظل الإجابة عن أسباب اتجاه الجمهور إلى منصات المعارضة غائبة.


وتبقى الخلاصة أن الأهم في تدوينة عكاشة ليس إثبات أن ناصر وجاويش يحتلان «المركز الأول» في المشاهدة، وإنما أن إعلاميًا ظل لسنوات جزءًا من المشهد المؤيد للسلطة اضطر إلى طرح سؤال عن سبب انجذاب المصريين إلى إعلام معارض؛ وهو سؤال لن تجيب عنه زيادة عدد القنوات بقدر ما تجيب عنه **حرية أوسع، ومعلومات أكثر، وأسئلة أصعب، ومحتوى يعامل المواطن بوصفه جمهورًا يجب إقناعه لا متلقيًا مضمونًا**.