جعفر عباس

أديب وكاتب صحافي سوداني

 

أعترف بأن علاقتي بالرياضة، مثل علاقتي بالرياضيات، ومثل علاقتي بإسرائيل، ومثل علاقتي بأغنيات المطرب المزعوم شعبان عبد الرحيم: ود مفقود تماما، وأعترف أيضا بأنني كنت من قبل في ضلال، فقد عانيت من هوس تشجيع فريق نادي المريخ الرياضي السوداني، فإذا خسر مباراة خسرت الشهية لتناول الطعام، وإذا فاز هللت ورقصت وكأن النادي سيحرر فلسطين، وينهي الحروب الأهلية في البلاد، ويتولى تنفيذ خطة اقتصادية خمسية تؤهلنا لمفارقة العالم الثالث عشر..

 

ثم انتبهت إلى أن حكومتنا ومعها حكومات الدول الموصوفة بـ "الشقيقة"، تحسب أن كرة القدم هي مفتاح التنمية، التي تقود إلى العزة والمنعة والرفاه، ثم جاء البث التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية، ورأيت كيف تُلْعب كرة القدم، واستنتجت أننا نلعب البِلّي (الكُجَّةُ أو البِلْية أو الكِلّة أو الدعبلّة أو البنانير أو الكرات الزجاجية)، بكرات مصنوعة من الجلد، فكان الطلاق البائن بينونة كبرى بيني وبين كرة القدم، والطلاق الرجعي مع الرياضات الأخرى، وأصلا، وحتى في سنوات الهوس الكروي، لم أكن قادرا على متابعة مباراة لكامل مدة جريان وقائعها، وذلك لنفس السبب الذي جعلني لا أستسيغ غناء أم كلثوم حيث تستغرق المقدمة الموسيقية ربع الساعة، ومناجاة الليل خمس دقائق، والشكوى من اعتلال العين ثلاث دقائق، ثم تخوض في تلافيف قصيدة من عائلة المعلقات، والمعلقات أثقل قصائد الشعر على النفوس (لا أدري لماذا عكف معلمو المدارس على تنفيرنا من كل ما هو جاهلي، ثم سعوا إلى إقناعنا بأن الشعر الجاهلي خرائد الدهر:

 

أترى خرائدَ في الهوادجِ أم ظِبا   ***   جرّدن من أَلحاظهنّ لنا طبا

 

بيضٌ لنا جرّدن كلّ مهنّدٍ   ***   أَمضى من العضبِ المهنّد مضربا

 

ورغم أن عدم احتفائي وضيقي بأغنيات أم كلثوم الممعنة في الطول عاد علي بالاتهام، بأنني أعاني من خلل في غدد التذوق، والتهاب الأذن، إلا أن الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، واساني بأن أبدى ضيقه من أن أم كلثوم ظلت تغني لمدة ممعنة في الطول:

 

يا ولية عيب اختشي يا شبه إيد الهون/ ده انتِ اللي زيك مِشي/ يا مرضعة قلاوون/ مدحتِ عشرين ملك/ ومِيت (مائة) وزير ورئيس/ مروان، وعبد الملك/ والمفتري (يقصد عبد الناصر) ورمسيس/ بتغني بالزمبرك؟ وللا انتِ صوت إبليس/ من أول المبتدأ، حتى نهاية الكون؟

 

نحن قوم نعشق المعلبات اللفظية: تحرير فلسطين من البحر إلى النهر/ أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة/ ما أُخِذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة/ يا جبل ما يهزك ريح/ مصر أم الدنيا/ السودان سلة غذاء العالم/ الوحدة العربية حتمية/ دولة كذا الشقيقة. وقياسا على ذلك صككنا مصطلح الأخلاق الرياضية، وبها إيحاء بعلو القيمة والرقي والنقاء من الشوائب. ولكن هل شهدت مباراة في كرة القدم لا يشهر فيها الحكم عديد الكروت الصفراء والحمراء؟ ألا تعرف العشرات من مشاهير اللاعبين الذين توقفت مسيراتهم الكروية بسبب خشونة فظة متعمدة من جانب لاعبين آخرين؟

 

تثبت مضابط القضاء في عشرات البلدان أن القائمين على أمور العديد من الرياضات، وخصوصا كرة القدم والتنس غارقون في الفساد حتى آذانهم، فلأن الملايين تصب في ماعون المراهنات الرياضية، فقد بات مألوفا أن تشهد عشرات الدول التلاعب بنتائج أو تفاصيل المباريات، لتحقيق مكاسب مالية ضخمة، عبر شبكات المقامرة والجريمة المنظمة، ويشمل هذا الفساد رشوة اللاعبين بتواطؤ مع الحكام في أمور الحصول على بطاقات صفراء وحمراء، واحتساب حالات التسلل واللعب الخشن.

 

حوى عدد هذه الصحيفة (عربي 21) ل18 فبراير 2023، تقريرا للأستاذة نادية بلحمر، فيه مجرد عينات للفساد المؤسسي في أندية كرة القدم ذات الشَنّة والرَنّة في أوروبا، ومن بينها نادي يوفنتوس الإيطالي، عندما أُدين لوتشيانو مودجي، رئيس النادي في عام 2006، بتهمة "شراء ذمم الحكام"، بل واختيار حكام المباريات حسب رغبته. ثم وفي واقعة أخرى عوقب يوفنتوس بخسارة 15 نقطة في تصنيف الدوري الإيطالي فكان ان هبط الى الدرجة الثانية. أمّا نادي مانشستر سيتي الإنجليزي فقد أدين في أواخر عام 2018 ب80 انتهاكا للقوانين المالية بتقديم وثائق مضللة عن موارده المالية طوال تسع سنوات ابتداء من عام 2009، أما نادي برشلونة الإسباني فقد أدين بشراء ذمة حكم الكرة خوسيه ماريا إنريكيز نيغريرا، مقابل 1.4 مليون يورو على مدى ثلاث سنوات.

 

الرأس المعطوب في عالم كرة القدم هو الاتحاد الدولي (فيفا)، ويكفي هنا فقط عرض جوانب من السيرة غير العطرة لرئيس فيفا (1989 ـ 2015)، جوزيف بلاتر، وخلفه جياني إنفانتينو (2016 ـ 0000)، فقد ثبت أن بلاتر اشترى المنصب بأن وزع الدولارات بسخاء على ممثلي اتحادات الكرة الأفريقية، وأدين لاحقا بالتلاعب مع مساعديه في مبيعات تذاكر مونديال المانيا في عام 2006، ولاحقته نفس التهمة في عام 2014، ثم جاء عام 2015 حين قامت السلطات السويسرية والأمريكية بكشف النقاب عن فساد مالي نخر في هيكل فيفا، وكان أقل تجلياته شأنا، منح رئيس اتحاد الكرة الفرنسي وقتها، ميشيل بلاتيني ملايين الدولارات، لينسحب الأخير من انتخابات رئاسة فيفا، مما ـ الى جانب وقائع فساد أخرى ـ  أدت في نهاية الأمر الى استقالة بلاتر من منصبه، بعد إعادة انتخابه بأربعة أيام.

 

أما قبطان فيفا الحالي إنفانتينو، فقد أسقط مونديال العام الحالي عنه ورقة التوت التي كانت شفافة أصلا، وبعيدا عن لعقه المتكرر لحذاء الرئيس الأمريكي ترامب، بمنحه جائزة فيفا "الافتراضية" للسلام، ونقل مكاتب فيفا إلى برج ترامب في نيويورك، وإلغاء قرار حكم مباراة بمنح لاعب أمريكي البطاقة الحمراء، وأسفاره إلى هنا وهناك بطائرة خاصة، فقد فاق أسلافه جرأة في خوض مستنقع الفساد الآسن، عندما سعى بقوة إلى بيع كأس العالم للقطاع الخاص، بقيمة تقديرية 20 مليار دولار، ليرتفع راتبه الشهري بعد البيع الى 30 مليون دولار سنويا (راتبه الحالي دون المليونين سنويا)، أما ذروة الفضيحة فقد كمنت في أن فارس الصفقة الحقيقي هو جاريد كوشنر زوج بنت ترامب الذي كان طرفا رئيسا فيها باسم شقيقه جوشوا.. أليست كرة القدم خربانة من كبارها؟